الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى

قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .

هذا حكاية جواب فرعون عن الكلام الذي أمر الله موسى وهارون بإبلاغه فرعون ، ففي الآية حذف جمل دل عليها السياق قصدا للإيجاز . والتقدير : فأتياه فقالا له ما أمرا به ، فقال : فمن ربكما ؟ ولذلك جاءت حكاية قول فرعون بجملة مفصولة على طريقة حكاية المحاورات التي استقريناها من أسلوب القرآن وبيناها في سورة البقرة وغيرها .

ووجه فرعون الخطاب إليهما بالضمير المشترك ، ثم خص موسى بالإقبال عليه بالنداء ، لعلمه بأن موسى هو الأصل بالرسالة وأن هارون تابع له ، وهذا وإن لم يحتو عليه كلامهما فقد تعين أن يكون فرعون علمه من كيفية دخولهما عليه ومخاطبته ، ولأن موسى كان معروفا في بلاط فرعون لأنه ربيه أو ربي أبيه فله سابقة اتصال [ ص: 232 ] بدار فرعون ، كما دل عليه قوله له المحكي في آية سورة الشعراء ( قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ) الآية

ولعل موسى هو الذي تولى الكلام وهارون يصدقه بالقول أو بالإشارة . وإضافته الرب إلى ضميرهما لأنهما قالا له ( إنا رسولا ربك ) .

وأعرض عن أن يقول : فمن ربي ؟ إلى قوله ( فمن ربكما ) إعراضا عن الاعتراف بالمربوبية ولو بحكاية قولهما ، لئلا يقع ذلك في سمع أتباعه وقومه فيحسبوا أنه متردد في معرفة ربه ، أو أنه اعترف بأن له ربا . وتولى موسى الجواب لأنه خص بالسؤال بسبب النداء له دون غيره .

وأجاب موسى بإثبات الربوبية لله لجميع الموجودات جريا على قاعدة الاستدلال بالكلية على الجزئية بحيث ينتظم من مجموعهما قياس ، فإن فرعون من جملة الأشياء ، فهو داخل في عموم كل شيء .

وكل شيء مفعول أول ل ( أعطى ) . و ( خلقه ) مفعوله الثاني .

والخلق : مصدر بمعنى الإيجاد وجيء بفعل الإعطاء للتنبيه على أن الخلق والتكوين نعمة ، فهو استدلال على الربوبية وتذكير بالنعمة معا .

ويجوز أن يكون الخلق بالمعنى الأخص ، وهو الخلق على شكل مخصوص ، فهو بمعنى الجعل ، أي الذي أعطى كل شيء من الموجودات شكله المختص به ، فكونت بذلك الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص من آثار ذلك الخلق .

ويجوز أن يكون " كل شيء " مفعولا ثانيا ل ( أعطى ) ومفعوله الأول ( خلقه ) ، أي أعطى خلقه ما يحتاجونه ، كقوله ( فأخرجنا به نبات كل شيء ) . فتركيب الجملة صالح للمعنيين .

[ ص: 233 ] والاستغراق المستفاد من ( كل ) عرفي ، أي كل شيء من شأنه أن يعطاه أصناف الخلق ويناسب المعطي ، أو هو استغراق على قصد التوزيع بمقابلة الأشياء بـ ( الخلق ) ، مثل : ركب القوم دوابهم .

والمعنى : تأمل وانظر هل أنت أعطيت الخلق أو لا ، فلا شك أنه يعلم أنه ما أعطى كل شيء خلقه ، فإذا تأمل علم أن الرب هو الذي أفاض الوجود والنعم على الموجودات كلها ، فآمن به بعنوان هذه الصفة وتلك المعرفة الموصلة إلى الاعتقاد الحق .

و ( ثم ) للترتيب بمعنييه الزمني والرتبي ، أي خلق الأشياء ثم هدى إلى ما خلقهم لأجله ، وهداهم إلى الحق بعد أن خلقهم ، وأفاض عليهم النعم ، على حد قوله تعالى ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ) أي طريقي الخير والشر ، أي فرقنا بينهما بالدلائل الواضحة .

قال الزمخشري في الكشاف : ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث