الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الخلاف في خلق الأجساد قبل الأرواح أو العكس

189 - فصل

[ الخلاف في خلق الأجساد قبل الأرواح ، أو العكس ] .

وأما قول إسحاق : إن العلماء أجمعوا على أن قوله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) أنها الأرواح قبل الأجساد ، فإسحاق - رحمه الله تعالى - قال بما بلغه ، وانتهى إلى علمه ، وليس ذلك بإجماع ، فقد اختلف الناس : هل خلقت الأجساد قبل الأرواح ، أو [ ص: 1058 ] معها ؟ على قولين حكاهما شيخنا ، وغيره .

وهل معنى الآية أخذ الذرية بعضهم من بعض ، وإشهادهم بما فطرهم عليه ، أو إخراجهم من ظهر آدم واستنطاقهم ؟ على قولين مشهورين .

والذين قالوا : " إن الأرواح خلقت قبل الأجساد " ليس معهم نص من كتاب الله ولا سنة رسوله ، وغاية ما معهم قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) الآية ، وقد علم أنها لا تدل على ذلك .

وأما الأحاديث التي فيها أنه " أخرجهم مثل الذر " ، فهذا هل هو أشباحهم أو أمثالهم ؟ فيه قولان ، وليس فيها صريح بأنها أرواحهم .

والذي دل عليه القرآن ، والسنة ، والاعتبار أن الأرواح إنما خلقت مع الأجساد ، أو بعدها ، فإن الله سبحانه خلق جسد آدم قبل روحه ، فلما سواه وأكمل خلقه نفخ فيه من روحه ، فكان تعلق الروح به بعد خلق جسده .

وكذلك سنته سبحانه في خلق أولاده كما دل عليه حديث عبد الله بن مسعود المتفق على صحته قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما

[ نطفة ] ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم ينفخ فيه الروح
" .

وقد غلط بعض الناس حيث ظن أن نفخ الروح إرسال الروح [ ص: 1059 ] وبعثها إليه ، وأنها كانت موجودة قبل ذلك ، ونفخها تعلقها به ، وليس ذلك مراد الحديث ، بل إذا تكامل خلق الجنين أرسل الله إليه الملك فنفخ فيه نفخة ، فتحدث الروح بتلك النفخة ، فحينئذ حدثت له الروح بواسطة النفخة .

وكذلك كان خلق المسيح : أرسل الله الملك إلى أمه ، فنفخ في فرجها نفخة فحملت بالمسيح ، كما قال تعالى : (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ) .

وهذا صريح في إبطال قول من قال : " إن هذه الروح التي خاطبها هي روح المسيح " ، فإن روح المسيح إنما حدثت من تلك النفخة التي نفخها رسول الله ، وكيف يقول المسيح لأمه : أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ؟ وكيف يكون قوله : ( فنفخنا فيها من روحنا ) ، أي من روح ولدها ، فتكون روح المسيح هي النافخة لنفسها في [ ص: 1060 ] بطن أمه ؟ !

وهذا قول تكثر الدلائل على بطلانه ، وإنما أشرنا إلى ذلك إشارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث