الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم

جزء التالي صفحة
السابق

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون

كالذين تفرقوا واختلفوا : وهم اليهود والنصارى، من بعد ما جاءهم البينات : الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق، وقيل: هم مبتدعو هذه الأمة، وهم المشبهة [ ص: 607 ] والمجبرة والحشوية وأشباههم.

يوم تبيض وجوه نصب بالظرف وهو لهم، أو بإضمار (اذكر) وقرئ: (تبيض وتسود) بكسر حرف المضارعة (وتبياض وتسواد) والبياض من النور، والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب.

نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله.

"أكفرتم": فيقال لهم: أكفرتم؟! والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم، والظاهر أنهم أهل الكتاب، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد اعترافهم به قبل مجيئه.

وعن عطاء : تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني قريظة والنضير، وقيل: هم المرتدون، وقيل: أهل البدع والأهواء.

وعن أبي أمامة : هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مرة، قال: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام فكفروا، ثم قرأ هذه الآية، ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيرا، فأعاذك الله منهم.

وقيل: هم جميع [ ص: 608 ] الكفار لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى ففي رحمة الله : ففي نعمته وهي الثواب المخلد.

فإن قلت: كيف موقع قوله: هم فيها خالدون بعد قوله: ففي رحمة الله ؟ قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث