الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرط جواز كل نوع

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) المقدار في طعام الإباحة فأكلتان مشبعتان غداء وعشاء ، وهذا قول عامة العلماء .

وعن ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وطاوس والشعبي أنه يطعمهم أكلة واحدة ، وقال الحسن وجبة واحدة ، والصحيح قول العامة لأن الله - عز وجل - عرف هذا الإطعام بإطعام الأهل بقوله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ، وذلك أكلتان مشبعتان غداء وعشاء كذا هذا ، ولأن الله - جل شأنه - ذكر الأوسط .

والأوسط ما له حاشيتان متساويتان ، وأقل عدد له حاشيتان متساويتان ثلاثة ، وذلك يحتمل أنواعا ثلاثة : أحدها الوسط في صفات المأكول من الجودة والرداءة .

والثاني الوسط من حيث المقدار من السرف والقتر .

والثالث الوسط من حيث أحوال الأكل من مرة ومرتين وثلاث مرات في يوم واحد ، ولم يثبت بدليل عقلي ولا بسمعي تعيين بعض هذه الأنواع فيحمل على الوسط من الكل احتياطا ليخرج عن عهدة الفرض بيقين وهو أكلتان في يوم بين الجيد والرديء ، والسرف والقتر ، ولأن [ ص: 103 ] أقل الأكل في يوم مرة واحدة وهو المسمى بالوجبة ، وهو في وقت الزوال إلى زوال يوم الثاني منه .

والأكثر ثلاث مرات غداء وعشاء وفي نصف اليوم ، والوسط مرتان غداء وعشاء وهو الأكل المعتاد في الدنيا وفي الآخرة أيضا ، قال الله - سبحانه وتعالى - في أهل الجنة { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ، فيحمل مطلق الإطعام على المتعارف ، وكذلك إذا غداهم وسحرهم ، أو عشاهم وسحرهم ، أو غداهم غداءين ، أو عشاهم عشاءين ، أو سحرهم سحورين لأنهما أكلتان مقصودتان ، فإذا غداهم في يومين أو عشاهم في يومين كان كأكلتين في يوم واحد معنى إلا أن الشرط أن يكون ذلك في عدد واحد ، حتى لو غدى عددا وعشى عددا آخر لم يجزه لأنه لم يوجد في حق كل مسكين أكلتان .

ولهذا لم يجز مثله في التمليك بأن فرق حصة مسكين على مسكينين فكذا في التمكين ، وسواء كان الطعام مأدوما أو غير مأدوم ، حتى لو غداهم وعشاهم خبزا بلا إدام أجزأه لقول الله تبارك وتعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } مطلقا من غير فصل بين المأدوم وغيره وقد أطعم ، ولأن الله - عز شأنه - عرف الإطعام على وجه الإباحة بإطعام الأهل .

وذلك قد يكون مأدوما وقد يكون غير مأدوم فكذا هذا ، وكذلك لو أطعم خبز الشعير أو سويقا أو تمرا أجزأه لأن ذلك قد يؤكل وحده في طعام الأهل ، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه : قال إذا أطعم مسكينا واحدا غداء وعشاء أجزأه من إطعام مساكين وإن لم يأكل إلا رغيفا واحدا ، لأن المعتبر هو الكفاية والكفاية قد تحصل برغيف واحد فلا يعتبر القلة والكثرة ، فإن ملكه الخبز بأن أعطاه أربعة أرغفة فإن كان يعدل ذلك قيمة نصف صاع من حنطة أجزأه ، وإن لم يعدل لم يجزه لأن الخبز غير منصوص عليه فكان جوازه باعتبار القيمة وقال أبو يوسف رحمه الله : لو غدى عشرة مساكين في يوم ثم أعطاهم مدا مدا أجزأه لأنه جمع بين التمليك والتمكين وكل واحد منهما جائز حال الانفراد كذا حال الاجتماع ، ولأن الغداء مقدر بنصف كفاية المسكين والمد مقدر بنصف كفايته فقد حصلت له كفاية يوم فيجوز ، فإن أعطى غيرهم مدا مدا لم يجز لأنه فرق طعام العشرة على عشرين فلم يحصل لكل واحد منهم مقدار كفايته ، ولو غداهم وأعطى قيمة العشاء فلوسا ودراهم أجزأه عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لأن القيمة في الكفارة تقوم مقام المنصوص عليه عندنا وعنده لا تقوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث