الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرط جواز كل نوع

جزء التالي صفحة
السابق

وهل يشترط عدد المساكين صورة في الإطعام تمليكا وإباحة ؟ قال أصحابنا : ليس بشرط وقال الشافعي رحمه الله : شرط ، حتى لو دفع طعام عشرة مساكين وذلك خمسة أصوع إلى مسكين واحد في عشرة أيام كل يوم نصف صاع ، أو غدى مسكينا واحدا أو عشاه عشرة أيام أجزأ عندنا .

وعنده لا يجزيه إلا عن واحد ، واحتج بظاهر قوله - جل شأنه - : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } نص على عدد العشرة فلا يجوز الاقتصار على ما دونه كسائر الأعداد المذكورة في القرآن العظيم كقوله - عز شأنه - : { فاجلدوهم ثمانين جلدة } وقوله - جل شأنه - : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ، ونحو ذلك والدليل عليه أنه لو دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد دفعة واحدة في يوم واحد لا يجوز .

( ولنا ) أن في النص إطعام عشرة مساكين ، وإطعام عشرة مساكين قد يكون بأن يطعم عشرة مساكين ، وقد يكون بأن يكفي عشرة مساكين سواء أطعم عشرة مساكين أو لا ، فإذا أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام قدر ما يكفي عشرة مساكين فقد وجد إطعام عشرة مساكين فخرج عن العهدة على أن معنى إطعام مساكين إن كان هو بأن يطعم عشرة مساكين ، لكن إطعام عشرة مساكين على هذا التفسير قد يكون صورة ومعنى بأن يطعم عشرة من المساكين عددا في يوم واحد أو في عشرة أيام ، وقد يكون معنى لا صورة وهو أن يطعم مسكينا واحدا في عشرة أيام لأن الإطعام لدفع الجوعة وسد المسكنة ، وله كل يوم جوعة ومسكنة على حدة لأن الجوع يتجدد ، والمسكنة تحدث في كل يوم ، ودفع عشر جوعات عن مسكين [ ص: 105 ] واحد في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يوم واحد أو في عشرة أيام ، فكان هذا إطعام عشرة مساكين معنى فيجوز .

ونظير هذا ما روي في الاستنجاء بثلاثة أحجار ثم لو استنجى بالمدر أو بحجر له ثلاثة أحرف جاز لحصول المقصود منه وهو التطهير كذا هذا ، ولأن ما وجبت له هذه الكفارة يقتضي سقوط اعتبار عدد المساكين وهو ما ذكرنا من إذاقة النفس مرارة الدفع وإزالة الملك لابتغاء وجه الله - سبحانه وتعالى - لتكفير ما أتبعها هواها وأوصلها إلى مناها ، كما خالف الله - عز وجل - في فعله بترك الوفاء بعهد الله سبحانه وتعالى وهذا المعنى في بذل هذا القدر من المال تمليكا وإباحة لا في مراعاة عدد المساكين صورة بخلاف ذكر العدد في باب الحد والعدة ، لأن اشتراط العدد هناك ثبت نصا غير معقول المعنى فلا يحتمل التعدية وههنا معقول على ما بينا ، وبخلاف الشهادات حيث لا تجوز إقامة الواحد فيها في يومين أو في دفعتين مقام شهادة شاهدين لأن هناك المعنى الذي يحصل بالعدد لا يحصل بالواحد وهو انتفاء التهمة ومنفعة التصديق ونفاذ القول على ما نذكره في كتاب الشهادات - إن شاء الله تعالى ، وههنا معنى التكفير ودفع الحاجة وسد المسكنة لا يختلف لما بينا .

( وأما ) إذا دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة أو دفعات فلا رواية فيه ، واختلف مشايخنا : قال بعضهم : يجوز .

وقال عامة مشايخنا : لا يجوز إلا عن واحد ; لأن ظاهر النص يقتضي الجواز على الوجه الذي بينا إلا أنه مخصوص في حق يوم واحد لدليل كما صار مخصوصا في حق بعض المساكين من الوالدين والمولودين ونحوهم ، فيجب العمل به فيما وراء المخصوص ، ولما ذكرنا أن الأصل في الطعام هو طعام الإباحة إذ هو المتعارف في اللغة وهو التغدية والتعشية لدفع الجوع وإزالة المسكنة وفي الحاصل دفع عشر جوعات وهذا في واحد في حق مسكين واحد لا يكون فلا بد من تفريق الدفع على الأيام ، ويجوز أن يختلف حكم التفريق المجتمع كما في رمي الجمار أنه إذا رمى بالحصى متفرقا جاز ، ولو رمى مجتمعا دفعة واحدة لا يجوز إلا عن واحدة ووجد في مسألتنا فجاز وكذلك لو غدى رجلا واحدا عشرين يوما أو عشى رجلا واحدا في رمضان عشرين يوما أجزأه عندنا لما ذكرنا وعند الشافعي لا يجوز لأن عدد المساكين عنده شرط ولم يوجد والله سبحانه - وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث