الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 14 ] سورة النازعات

مكية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة .

قوله تعالى: والنازعات فيه سبعة أقوال .

أحدها: أنها الملائكة تنزع أرواح الكفار، قاله علي، وابن مسعود . وروى عطية عن ابن عباس قال: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وبه قال مسروق .

والثاني: أنه الموت ينزع النفوس، قاله مجاهد .

والثالث: أنها النفس حين تنزع، قاله السدي .

والرابع: أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب، قاله الحسن، وقتادة، وأبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان .

[ ص: 15 ] والخامس: أنها القسي تنزع بالسهم، قاله عطاء، وعكرمة .

والسادس: أنها الوحوش تنزع وتنفر، حكاه الماوردي .

والسابع: أنها الرماة، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: غرقا اسم أقيم مقام الإغراق . قال ابن قتيبة: والمعنى: والنازعات إغراقا، كما يغرق النازع في القوس، يعني: أنه يبلغ به غاية المد .

قوله تعالى: والناشطات نشطا فيه خمسة أقوال .

أحدها: أنها الملائكة . ثم في معنى الكلام قولان . أحدهما: أنها حين تنشط أرواح الكفار حتى تخرجها بالكرب والغم، قاله علي رضي الله عنه . قال مقاتل: ينزع ملك الموت روح الكافر، فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه، فيعذبه في حياته، ثم ينشطها من حلقه أي: يجذبها- كما ينشط السفود من الصوف المبتل . والثاني: أنها تنشط أرواح المؤمنين بسرعة، كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنها، قاله ابن عباس . وقال الفراء: الذي سمعته من العرب: كما أنشط من عقال بألف . تقول: إذا ربطت الحبل في يد البعير: نشطته، فإذا حللته قلت: أنشطته .

والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا . وبيانه أن المؤمن يرى منزله من الجنة قبل الموت فتنشط نفسه لذلك .

[ ص: 16 ] والثالث: أن الناشطات: الموت ينشط نفس الإنسان، قاله مجاهد .

والرابع: النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: تذهب، قاله قتادة، وأبو عبيدة، والأخفش . ويقال لبقر الوحش: نواشط، لأنها تذهب من موضع إلى موضع . قال أبو عبيدة: والهموم تنشط بصاحبها . قال هميان بن قحافة:


أمست همومي تنشط المناشطا الشام بي طورا وطورا واسطا



والخامس: أنها النفس حين تنشط بالموت، قاله السدي .

قوله تعالى: والسابحات سبحا فيه ستة أقوال .

أحدها: أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، قاله علي رضي الله عنه . قال ابن السائب: يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء . فأحيانا ينغمس، وأحيانا يرتفع، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح .

والثاني: أنهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كما يقال للفرس الجواد: سابح: إذا أسرع في جريه، قاله مجاهد، وأبو صالح، والفراء .

والثالث: أنه الموت يسبح في نفوس بني آدم، روي عن مجاهد أيضا .

والرابع: أنها السفن تسبح في الماء، قاله عطاء .

والخامس: أنها النجوم، والشمس، والقمر، كل في فلك يسبحون، قاله قتادة، وأبو عبيدة .

والسادس: أنها الخيل، حكاه الماوردي .

[ ص: 17 ] قوله تعالى: فالسابقات سبقا فيه خمسة أقوال .

أحدها: أنها الملائكة . ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال . أحدها: أنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، قاله علي، ومسروق . والثاني: أنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، قاله مجاهد، وأبو روق . والثالث: أنها سبقت بني آدم إلى الإيمان، قاله الحسن .

والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقا إلى لقاء الله، فيقبضونها وقد عاينت السرور، قاله ابن مسعود .

والثالث: أنه الموت يسبق إلى النفوس، روي عن مجاهد أيضا .

والرابع: أنها الخيل، قاله عطاء .

والخامس: أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير، قاله قتادة .

قوله تعالى: فالمدبرات أمرا قال ابن عباس: هي الملائكة . قال عطاء: وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها . وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر أمر الدنيا أربعة أملاك: جبريل، وهو موكل بالرياح والجنود . وميكائيل، وهو موكل بالقطر والنبات . وملك الموت، وهو موكل بقبض الأنفس . وإسرافيل، وهو ينزل بالأمر عليهم . وقيل: بل جبريل للوحي، وإسرافيل للصور . وقال ابن قتيبة: فالمدبرات أمرا: تنزل بالحلال والحرام .

فإن قيل: أين جواب هذه الأقسام، فعنه جوابان .

أحدهما: أن الجواب قوله تعالى: إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ، قاله مقاتل .

[ ص: 18 ] والثاني: أن الجواب مضمر، تقديره: لتبعثن، ولتحاسبن، ويدل على هذا قوله تعالى: أإذا كنا عظاما نخرة قاله الفراء .

قوله تعالى: يوم ترجف الراجفة ، وهي النفخة الأولى التي يموت منها جميع الخلائق . و " الراجفة " صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمحض . و " ترجف " بمعنى: تتحرك حركة شديدة تتبعها الرادفة وهي: النفخة الثانية ردفت الأولى، أي: جاءت بعدها . وكل شيء جاء بعد شيء فهو يردفه قلوب يومئذ واجفة أي: شديدة الاضطراب لما عاينت من أهوال القيامة أبصارها خاشعة أي: ذليلة لمعاينة النار . قال عطاء: وهذه أبصار من لم يمت على الإسلام . ويدل على هذا أنه ذكر منكري البعث، فقال تعالى: يقولون أإنا لمردودون في الحافرة قرأ ابن عامر وأهل الكوفة " أئنا " بهمزتين مخففتين على الاستفهام، وقرأ الباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية، وفصل بينهما بألف نافع وأبو عمرو .

وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الحافرة: الحياة بعد الموت . فالمعنى: أنرجع أحياء بعد موتنا؟! وهذا قول ابن عباس، وعطية، والسدي . قال الفراء: يعنون: أنرد إلى أمرنا الأول إلى الحياة؟! والعرب تقول: أتيت فلانا، ثم رجعت على حافرتي، أي: رجعت من حيث جئت . قال أبو عبيدة: يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته: إذا رجع من حيث جاء، وهذا قول الزجاج .

والثاني: أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فسميت حافرة، والمعنى: محفورة، كما يقال: ماء دافق [الطارق: 6] و عيشة راضية [الحاقة: 21] وهذا قول مجاهد، والخليل . فيكون المعنى: أئنا لمردودون إلى الأرض خلقا جديدا؟!

[ ص: 19 ] قال ابن قتيبة: " في الحافرة " أي: إلى أول أمرنا . ومن فسرها بالأرض، فإلى هذا يذهب، لأنا منها بدئنا . قال الشاعر:


أحافرة على صلع وشيب     معاذ الله من سفه وعار



[كأنه قال: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا " بعد ما شبت وصلعت؟! " .

والثالث: أن الحافرة: النار، قاله ابن زيد] .

قوله تعالى: أإذا كنا عظاما نخرة وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم " ناخرة " . قال الفراء: وهما بمعنى واحد في اللغة . مثل طمع، وطامع . وحذر، وحاذر . وقال الأخفش: هما لغتان . وقال الزجاج: يقال: نخر العظم ينخر، فهو نخر . مثل عفن الشيء يعفن، فهو عفن . وناخرة على معنى: عظاما فارغة، يجيء فيها من هبوب الريح كالنخير . قال المفسرون: والمراد أنهم أنكروا البعث، وقالوا: نرد أحياء إذا متنا وبليت عظامنا؟! تلك إذا كرة خاسرة أي: إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا مما يعدنا به محمد، فأعلمهم الله بسهولة البعث عليه، فقال تعالى: فإنما هي يعني النفخة الأخيرة زجرة واحدة أي: صيحة في الصور يسمعونها من إسرافيل وهم في الأرض فيخرجون فإذا هم بالساهرة وفيها أربعة أقوال .

[ ص: 20 ] أحدها: أن الساهرة: وجه الأرض، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، واللغويون . قال الفراء: كأنها سميت بهذا الاسم، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم .

والثاني: أنه جبل عند بيت المقدس، قاله وهب بن منبه .

والثالث: أنها جهنم، قاله قتادة .

والرابع: أنها أرض الشام، قاله سفيان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث