الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فضيلة الحلم :

اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيط ؛ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم ، أي تكلف الحلم ، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ، ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة ، ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتياديا فلا يهيج الغيظ ، وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب ، وهو الحلم الطبيعي ، وهو دلالة كمال العقل واستيلائه ، وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل ، ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا ، وفي الحديث : " إنما العلم بالتعلم ، والحلم بالتحلم " إشارة إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولا وتكلفه ، كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم .

وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم " ، وعن " الحسن " في قوله تعالى : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) [ الفرقان : 63 ] قال : حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا . وعن مجاهد في آية : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) [ الفرقان : 72 ] أي : إذا أوذوا صفحوا ، وعن " علي " رضي الله عنه : " ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك ، وأن لا تباهي الناس بعبادة الله ، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى ، وإذا [ ص: 210 ] أسأت استغفرت الله تعالى " ، وقال " أكثم " : " دعامة العقل الحلم ، وجماع الأمر الصبر " ، وقال " معاوية " : " لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم " . وقال معاوية لعمرو بن الأهتم : أي الرجال أشجع ؟ قال : من رد جهله بحلمه ، قال : " أي الرجال أسخى " ؟ قال " من بذل دنياه لصلاح دينه " . وقال معاوية لعرابة : " بم سدت قومك " ، قال : كنت أحلم عن جاهلهم ، وأعطي سائلهم ، وأسعى في حوائجهم ، فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي ، ومن جاوزني فهو أفضل مني ، ومن قصر عني فأنا خير منه " ، وقال " أنس بن مالك " في قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) [ فصلت : 34 ، 35 ] هو الرجل يشتمه أخوه فيقول : " إن كنت كاذبا فغفر الله لك ، وإن كنت صادقا فغفر الله لي " . وعن " علي بن الحسين "رضي الله عنهما أنه سبه رجل ، فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم ، فقال بعضهم : " جمع له خمس خصال محمودة : الحلم ، وإسقاط الأذى ، وتخليص الرجل مما يبعده من الله عز وجل ، وحمله على الندم والتوبة ، ورجوعه إلى المدح بعد الذم ، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث