الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم

جزء التالي صفحة
السابق

والموضوع الأخير في هذا الدرس، هو تنظيم مؤسسة الأسرة; وضبط الأمور فيها; وتوزيع الاختصاصات، وتحديد الواجبات، وبيان الإجراءات التي تتخذ لضبط أمور هذه المؤسسة; والمحافظة عليها من زعازع الأهواء والخلافات; واتقاء عناصر التهديم فيها والتدمير، جهد المستطاع:

الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله. واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما. إن الله كان عليما خبيرا ..

ولا بد - قبل الدخول في تفسير هذه النصوص القرآنية، وبيان أهدافها النفسية والاجتماعية - من بيان مجمل لنظرة الإسلام إلى مؤسسة الأسرة، ومنهجه في بنائها والمحافظة عليها، وأهدافه منها.. بيان مجمل بقدر الإمكان، إذ أن التفصيل فيه يحتاج إلى بحث مطول خاص :

إن الذي خلق هذا الإنسان جعل من فطرته "الزوجية" شأنه شأن كل شيء خلقه في هذا الوجود: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ..

ثم شاء أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها ..

وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - بعد ذلك - فيما أراد، أن يكون هذا اللقاء سكنا للنفس، وهدوءا للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد.. ثم سترا وإحصانا وصيانة.. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة، مع ترقيها المستمر، في رعاية المحضن الساكن الهادئ المطمئن المستور المصون:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ..

هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ..

نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله ..

يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة .. [ ص: 649 ] والذين آمنوا، واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شيء ..

ومن تساوي شطري النفس الواحدة في موقفهما من الله، ومن تكريمه للإنسان، كان ذلك التكريم للمرأة، وتلك المساواة في حقوق الأجر والثواب عند الله، وفي حقوق التملك والإرث، وفي استقلال الشخصية المدنية.. التي تحدثنا عنها في الصفحات السابقة من هذا الدرس.

ومن أهمية التقاء شطري النفس الواحدة، لإنشاء مؤسسة الأسرة. ومن ضخامة تبعة هذه المؤسسة أولا: في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها، وثانيا: في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والترقي ... كانت تلك التنظيمات الدقيقة المحكمة التي تتناول كل جزئية من شئون هذه المؤسسة.. وقد احتوت هذه السورة جانبا من هذه التنظيمات هو الذي استعرضناه في الصفحات السابقة من أول هذا الجزء; تكملة لما استعرضناه منها في الجزء الرابع.. واحتوت سورة البقرة جانبا آخر، هو الذي استعرضناه في الجزء الثاني. واحتوت سور أخرى من القرآن، وعلى الأخص سورة النور في الجزء الثامن عشر وسورة الأحزاب في الجزءين الحادي والعشرين والثاني والعشرين وسورة الطلاق وسورة التحريم في الجزء الثامن والعشرين.. ومواضع أخرى متفرقة في السور، جوانب أخرى تؤلف دستورا كاملا شاملا دقيقا لنظام هذه المؤسسة الإنسانية; وتدل بكثرتها وتنوعها ودقتها وشمولها، على مدى الأهمية التي يعقدها المنهج الإسلامي للحياة الإنسانية على مؤسسة الأسرة الخطيرة!

ونرجو أن يكون قارئ هذه الصفحة على ذكر مما سبق في صفحات هذا الجزء نفسه عن طفولة الطفل الإنساني، وطولها، وحاجته في خلالها إلى بيئة تحميه أولا حتى يستطيع أن يكسب رزقه للمعاش; وأهم من هذا أن تؤهله، بالتربية، إلى وظيفته الاجتماعية; والنهوض بنصيبه في ترقية المجتمع الإنساني، وتركه خيرا مما تسلمه، حين جاء إليه! فهذا الكلام ذو أهمية خاصة في بيان قيمة مؤسسة الأسرة; ونظرة المنهج الإسلامي إلى وظائفها، والغاية منها; واهتمامه بصيانتها، وحياطتها من كل عوامل التدمير من قريب ومن بعيد..

وفي ظل هذه الإشارات المجملة إلى طبيعة نظرة الإسلام للأسرة وأهميتها ومدى حرصه على توفير ضمانات البقاء والاستقرار والهدوء في جوها.. إلى جانب ما أوردناه من تكريم هذا المنهج للمرأة; ومنحها استقلال الشخصية واحترامها; والحقوق التي أنشأها لها إنشاء - لا محاباة لذاتها ولكن لتحقيق أهدافه الكبرى من تكريم الإنسان كله ورفع الحياة الإنسانية - نستطيع أن نتحدث عن النص الأخير في هذا الدرس، الذي قدمنا للحديث عنه بهذا الإيضاح:

إن هذا النص - في سبيل تنظيم المؤسسة الزوجية وتوضيح الاختصاصات التنظيمية فيها لمنع الاحتكاك فيها بين أفرادها، بردهم جميعا إلى حكم الله لا حكم الهوى والانفعالات والشخصيات - يحدد أن القوامة في هذه المؤسسة للرجل ; ويذكر من أسباب هذه القوامة: تفضيل الله للرجل بمقومات القوامة، وما تتطلبه من خصائص ودربة، وتكليف الرجل الإنفاق على المؤسسة. وبناء على إعطاء القوامة للرجل، يحدد كذلك اختصاصات هذه القوامة في صيانة المؤسسة من التفسخ; وحمايتها من النزوات العارضة; وطريقة علاج هذه النزوات حين تعرض - في حدود مرسومة - وأخيرا يبين الإجراءات - الخارجية - التي تتخذ عندما تفشل [ ص: 650 ] الإجراءات الداخلية، ويلوح شبح الخطر على المؤسسة، التي لا تضم شطري النفس الواحدة فحسب، ولكن تضم الفراخ الخضر، الناشئة في المحضن. المعرضة للبوار والدمار. فلننظر فيما وراء كل إجراء من هذه الإجراءات من ضرورة، ومن حكمة، بقدر ما نستطيع:

الرجال قوامون على النساء. بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ..

إن الأسرة - كما قلنا - هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية. الأولى من ناحية أنها نقطة البدء التي تؤثر في كل مراحل الطريق. والأولى من ناحية الأهمية لأنها تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون، في التصور الإسلامي.

وإذا كانت المؤسسات الأخرى الأقل شأنا، والأرخص سعرا: كالمؤسسات المالية والصناعية والتجارية ... وما إليها ... لا يوكل أمرها - عادة - إلا لأكفأ المرشحين لها ممن تخصصوا في هذا الفرع علميا، ودربوا عليه عمليا، فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة ...

إذا كان هذا هو الشأن في المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا.. فأولى أن تتبع هذه القاعدة في مؤسسة الأسرة، التي تنشئ أثمن عناصر الكون.. العنصر الإنساني..

والمنهج الرباني يراعي هذا. ويراعي به الفطرة، والاستعدادات الموهوبة لشطري النفس لأداء الوظائف المنوطة بكل منهما وفق هذه الاستعدادات، كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري النفس الواحدة ، والعدالة في اختصاص كل منهما بنوع الأعباء المهيأ لها، المعان عليها من فطرته واستعداداته المتميزة المتفردة..

والمسلم به ابتداء أن الرجل والمرأة كليهما من خلق الله. وأن الله - سبحانه - لا يريد أن يظلم أحدا من خلقه، وهو يهيئه ويعده لوظيفة خاصة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة!

وقد خلق الله الناس ذكرا وأنثى.. زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون.. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل.. وهي وظائف ضخمة أولا وخطيرة ثانيا. وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى! فكان عدلا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني - الرجل - توفير الحاجات الضرورية ، وتوفير الحماية كذلك للأنثى; كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل.. ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد! وكان عدلا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه. وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك.

وكان هذا فعلا.. ولا يظلم ربك أحدا ..

ومن ثم زودت المرأة - فيما زودت به من الخصائص - بالرقة والعطف، وسرعة الانفعال والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة - بغير وعي ولا سابق تفكير - لأن الضرورات الإنسانية العميقة كلها - حتى في الفرد الواحد - لم تترك لأرجحة الوعي والتفكير وبطئه، بل جعلت الاستجابة لها غير إرادية! لتسهل تلبيتها فورا وفيما يشبه أن يكون قسرا. ولكنه قسر داخلي غير مفروض من الخارج; ولذيذ ومستحب في معظم الأحيان كذلك، لتكون الاستجابة سريعة من جهة ومريحة من جهة أخرى - مهما يكن فيها من المشقة والتضحية! صنع الله الذي أتقن كل شيء.

وهذه الخصائص ليست سطحية. بل هي غائرة في التكوين العضوي والعصبي والعقلي والنفسي للمرأة.. [ ص: 651 ] بل يقول كبار العلماء المختصين: إنها غائرة في تكوين كل خلية. لأنها عميقة في تكوين الخلية الأولى، التي يكون من انقسامها وتكاثرها الجنين، بكل خصائصه الأساسية!

وكذلك زود الرجل - فيما زود به من الخصائص - بالخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة; واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة. لأن وظائفه كلها من أول الصيد الذي كان يمارسه في أول عهده بالحياة إلى القتال الذي يمارسه دائما لحماية الزوج والأطفال. إلى تدبير المعاش.. إلى سائر تكاليفه في الحياة.. لأن وظائفه كلها تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام; وإعمال الفكر، والبطء في الاستجابة بوجه عام! .. وكلها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها..

وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة، وأفضل في مجالها.. كما أن تكليفه بالإنفاق - وهو فرع من توزيع الاختصاصات - يجعله بدوره أولى بالقوامة، لأن تدبير المعاش للمؤسسة ومن فيها داخل في هذه القوامة والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها..

وهذان هما العنصران اللذان أبرزهما النص القرآني، وهو يقرر قوامة الرجال على النساء في المجتمع الإسلامي. قوامة لها أسبابها من التكوين والاستعداد. ولها أسبابها من توزيع الوظائف والاختصاصات. ولها أسبابها من العدالة في التوزيع من ناحية; وتكليف كل شطر - في هذا التوزيع - بالجانب الميسر له، والذي هو معان عليه من الفطرة.

وأفضليته في مكانها.. في الاستعداد للقوامة والدربة عليها.. والنهوض بها بأسبابها.. لأن المؤسسة لا تسير بلا قوامة - كسائر المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا - ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها، معان عليها، مكلف تكاليفها. وأحد الشطرين غير مهيأ لها، ولا معان عليها.. ومن الظلم أن يحملها ويحمل تكاليفها إلى جانب أعبائه الأخرى.. وإذا هو هيئ لها بالاستعدادات الكامنة، ودرب عليها بالتدريب العلمي والعملي، فسد استعداده للقيام بالوظيفة الأخرى.. وظيفة الأمومة.. لأن لها هي الأخرى مقتضياتها واستعداداتها. وفي مقدمتها سرعة الانفعال، وقرب الاستجابة. فوق الاستعدادات الغائرة في التكوين العضوي والعصبي; وآثارها في السلوك والاستجابة!

إنها مسائل خطيرة.. أخطر من أن تتحكم فيها أهواء البشر.. وأخطر من أن تترك لهم يخبطون فيها خبط عشواء.. وحين تركت لهم ولأهوائهم في الجاهليات القديمة والجاهليات الحديثة، هددت البشرية تهديدا خطيرا في وجودها ذاته; وفي بقاء الخصائص الإنسانية، التي تقوم بها الحياة الإنسانية وتتميز.

ولعل من الدلائل التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها; ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها..

لعل من هذه الدلائل ما أصاب الحياة البشرية من تخبط وفساد، ومن تدهور وانهيار، ومن تهديد بالدمار والبوار، في كل مرة خولفت فيها هذه القاعدة. فاهتزت سلطة القوامة في الأسرة. أو اختلطت معالمها. أو شذت عن قاعدتها الفطرية الأصيلة!

ولعل من هذه الدلائل توقان نفس المرأة ذاتها إلى قيام هذه القوامة على أصلها الفطري في الأسرة ، وشعورها بالحرمان والنقص والقلق وقلة السعادة عندما تعيش مع رجل، لا يزاول مهام القوامة وتنقصه صفاتها اللازمة; فيكل إليها هي القوامة! وهي حقيقة ملحوظة تسلم بها حتى المنحرفات الخابطات في الظلام!

ولعل من هذه الدلائل أن الأطفال - الذين ينشأون في مؤسسة عائلية القوامة فيها ليست للأب. إما لأنه [ ص: 652 ] ضعيف الشخصية، بحيث تبرز عليه شخصية الأم وتسيطر. وإما لأنه مفقود: لوفاته أو لعدم وجود أب شرعي! - قلما ينشأون أسوياء. وقل ألا ينحرفوا إلى شذوذ ما، في تكوينهم العصبي والنفسي، وفي سلوكهم العملي والخلقي..

فهذه كلها بعض الدلائل، التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها، ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها!

ولا نستطيع أن نستطرد أكثر من هذا - في سياق الظلال - عن قوامة الرجال ومقوماتها ومبرراتها، وضرورتها وفطريتها كذلك.. ولكن ينبغي أن نقول: إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني ولا إلغاء وضعها "المدني" - كما بينا ذلك من قبل - وإنما هي وظيفة - داخل كيان الأسرة - لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها. ووجود القيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها. فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية، وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله .

وبعد بيان واجب الرجل وحقه والتزاماته وتكاليفه في القوامة، يجيء بيان طبيعة المرأة المؤمنة الصالحة وسلوكها وتصرفها الإيماني في محيط الأسرة :

فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله ..

فمن طبيعة المؤمنة الصالحة، ومن صفتها الملازمة لها، بحكم إيمانها وصلاحها، أن تكون قانتة مطيعة. والقنوت: الطاعة عن إرادة وتوجه ورغبة ومحبة، لا عن قسر وإرغام وتفلت ومعاظلة! ومن ثم قال: قانتات. ولم يقل طائعات. لأن مدلول اللفظ الأول نفسي، وظلاله رخية ندية.. وهذا هو الذي يليق بالسكن والمودة والستر والصيانة بين شطري النفس الواحدة. في المحضن الذي يرعى الناشئة، ويطبعهم بجوه وأنفاسه وظلاله وإيقاعاته!

ومن طبيعة المؤمنة الصالحة، ومن صفتها الملازمة لها، بحكم إيمانها وصلاحها كذلك، أن تكون حافظة لحرمة الرباط المقدس بينها وبين زوجها في غيبته - وبالأولى في حضوره - فلا تبيح من نفسها في نظرة أو نبرة - بله العرض والحرمة - ما لا يباح إلا له هو بحكم أنه الشطر الآخر للنفس الواحدة.

وما لا يباح، لا تقرره هي، ولا يقرره هو: إنما يقرره الله سبحانه: بما حفظ الله ..

فليس الأمر أمر رضاء الزوج عن أن تبيح زوجته من نفسها - في غيبته أو في حضوره - ما لا يغضب هو له. أو ما يمليه عليه وعليها المجتمع! إذا انحرف المجتمع عن منهج الله..

إن هنالك حكما واحدا في حدود هذا الحفظ; فعليها أن تحفظ نفسها بما حفظ الله .. والتعبير القرآني لا يقول هذا بصيغة الأمر. بل بما هو أعمق وأشد توكيدا من الأمر. إنه يقول: إن هذا الحفظ بما حفظ الله، هو من طبيعة الصالحات، ومن مقتضى صلاحهن! [ ص: 653 ] وعندئذ تتهاوى كل أعذار المهزومين والمهزومات من المسلمين والمسلمات. أمام ضغط المجتمع المنحرف. وتبرز حدود ما تحفظه الصالحات بالغيب: بما حفظ الله مع القنوت الطائع الراضي الودود..

فأما غير الصالحات.. فهن الناشزات. (من الوقوف على النشز وهو المرتفع البارز من الأرض) وهي صورة حسية للتعبير عن حالة نفسية. فالناشز تبرز وتستعلي بالعصيان والتمرد..

والمنهج الإسلامي لا ينتظر حتى يقع النشوز بالفعل، وتعلن راية العصيان; وتسقط مهابة القوامة; وتنقسم المؤسسة إلى معسكرين.. فالعلاج حين ينتهي الأمر إلى هذا الوضع قلما يجدي. ولا بد من المبادرة في علاج مبادئ النشوز قبل استفحاله. لأن مآله إلى فساد في هذه المنظمة الخطيرة، لا يستقر معه سكن ولا طمأنينة، ولا تصلح معه تربية ولا إعداد للناشئين في المحضن الخطير. ومآله بعد ذلك إلى تصدع وانهيار ودمار للمؤسسة كلها وتشرد للناشئين فيها أو تربيتهم بين عوامل هدامة مفضية إلى الأمراض النفسية والعصبية والبدنية .. وإلى الشذوذ..

فالأمر إذن خطير. ولا بد من المبادرة باتخاذ الإجراءات المتدرجة في علاج علامات النشوز منذ أن تلوح من بعيد.. وفي سبيل صيانة المؤسسة من الفساد، أو من الدمار، أبيح للمسؤول الأول عنها أن يزاول بعض أنواع التأديب المصلحة في حالات كثيرة.. لا للانتقام، ولا للإهانة، ولا للتعذيب.. ولكن للإصلاح ورأب الصدع في هذه المرحلة المبكرة من النشوز:

واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن. واهجروهن في المضاجع. واضربوهن. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. إن الله كان عليا كبيرا ..

واستحضار ما سبق لنا بيانه من تكريم الله للإنسان بشطريه. ومن حقوق للمرأة نابعة من صفتها الإنسانية.. ومن احتفاظ للمرأة المسلمة بشخصيتها المدنية بكامل حقوقها.. بالإضافة إلى أن قوامة الرجل عليها لا تفقدها حقها في اختيار شريك حياتها; والتصرف في أمر نفسها والتصرف في أمر مالها ... إلى آخر هذه المقومات البارزة في المنهج الإسلامي..

استحضار هذا الذي سبق كله; واستحضار ما قيل عن أهمية مؤسسة الأسرة كذلك.. يجعلنا نفهم بوضوح - حين لا تنحرف القلوب بالهوى والرءوس بالكبر! - لماذا شرعت هذه الإجراءات التأديبية أولا. والصورة التي يجب أن تؤدى بها ثانيا..

إنها شرعت كإجراء وقائي - عند خوف النشوز - للمبادرة بإصلاح النفوس والأوضاع، لا لزيادة إفساد القلوب، وملئها بالبغض والحنق، أو بالمذلة والرضوخ الكظيم!

إنها.. أبدا.. ليست معركة بين الرجل والمرأة. يراد لها بهذه الإجراءات تحطيم رأس المرأة حين تهم بالنشوز وردها إلى السلسلة كالكلب المسجور!

إن هذا قطعا.. ليس هو الإسلام.. إنما هو تقاليد بيئية في بعض الأزمان. نشأت مع هوان "الإنسان" كله. لا هوان شطر منه بعينه.. فأما حين يكون هو الإسلام، فالأمر مختلف جدا في الشكل والصورة. وفي الهدف والغاية..

واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ..

هذا هو الإجراء الأول.. الموعظة.. وهذا هو أول واجبات القيم ورب الأسرة. عمل تهذيبي. مطلوب منه في كل حالة: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وقودها الناس والحجارة .. ولكنه في هذه [ ص: 654 ] الحالة بالذات، يتجه اتجاها معينا لهدف معين. هو علاج أعراض النشوز قبل أن تستفحل وتستعلن.

ولكن العظة قد لا تنفع. لأن هناك هوى غالبا، أو انفعالا جامحا، أو استعلاء بجمال. أو بمال. أو بمركز عائلي.. أو بأي قيمة من القيم. تنسي الزوجة أنها شريكة في مؤسسة، وليست ندا في صراع أو مجال افتخار! ..

هنا يجيء الإجراء الثاني.. حركة استعلاء نفسية من الرجل على كل ما تدل به المرأة من جمال وجاذبية أو قيم أخرى، ترفع بها ذاتها عن ذاته، أو عن مكان الشريك في مؤسسة عليها قوامة.

واهجروهن في المضاجع ..

والمضجع موضع الإغراء والجاذبية، التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها. فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء، فقد أسقط من يد المرأة الناشز أمضى أسلحتها التي تعتز بها. وكانت - في الغالب - أميل إلى التراجع والملاينة، أمام هذا الصمود من رجلها، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه، في أحرج مواضعها! .. على أن هناك أدبا معينا في هذا الإجراء.. إجراء الهجر في المضاجع..

وهو ألا يكون هجرا ظاهرا في غير مكان خلوة الزوجين.. لا يكون هجرا أمام الأطفال، يورث نفوسهم شرا وفسادا.. ولا هجرا أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزا. فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة ولا إفساد الأطفال! .. وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء..

ولكن هذه الخطوة قد لا تفلح كذلك.. فهل تترك المؤسسة تتحطم؟ إن هناك إجراء - ولو أنه أعنف - ولكنه أهون وأصغر من تحطيم المؤسسة كلها بالنشوز:

واضربوهن ..

واستصحاب المعاني السابقة كلها واستصحاب الهدف من هذه الإجراءات كلها يمنع أن يكون هذا الضرب تعذيبا للانتقام والتشفي. ويمنع أن يكون إهانة للإذلال والتحقير. ويمنع أن يكون أيضا للقسر والإرغام على معيشة لا ترضاها.. ويحدد أن يكون ضرب تأديب، مصحوبا بعاطفة المؤدب المربي; كما يزاوله الأب مع أبنائه وكما يزاوله المربي مع تلميذه..

ومعروف - بالضرورة - أن هذه الإجراءات كلها لا موضع لها في حالة الوفاق بين الشريكين في المؤسسة الخطيرة. وإنما هي لمواجهة خطر الفساد والتصدع. فهي لا تكون إلا وهناك انحراف ما هو الذي تعالجه هذه الإجراءات..

وحين لا تجدي الموعظة، ولا يجدي الهجر في المضاجع.. لا بد أن يكون هذا الانحراف من نوع آخر، ومن مستوى آخر، لا تجدي فيه الوسائل الأخرى.. وقد تجدي فيه هذه الوسيلة! وشواهد الواقع، والملاحظات النفسية، على بعض أنواع الانحراف، تقول: إن هذه الوسيلة تكون أنسب الوسائل لإشباع انحراف نفسي معين، وإصلاح سلوك صاحبه.. وإرضائه.. في الوقت ذاته !

على أنه من غير أن يكون هناك هذا الانحراف المرضي، الذي يعينه علم النفس التحليلي بالاسم; إذ نحن لا نأخذ تقريرات علم النفس مسلمات "علمية" ، فهو لم يصبح بعد "علما" بالمعنى العلمي، كما يقول الدكتور " ألكسيس كاريل " ، فربما كان من النساء من لا تحس قوة الرجل الذي تحب نفسها أن تجعله قيما وترضى به زوجا، إلا حين يقهرها عضليا! وليست هذه طبيعة كل امرأة. ولكن هذا الصنف من النساء موجود. وهو الذي قد يحتاج إلى هذه المرحلة الأخيرة.. ليستقيم. ويبقي على المؤسسة الخطيرة.. في سلم وطمأنينة! [ ص: 655 ] وعلى أية حال، فالذي يقرر هذه الإجراءات، هو الذي خلق. وهو أعلم بمن خلق. وكل جدال بعد قول العليم الخبير مهاترة; وكل تمرد على اختيار الخالق وعدم تسليم به، مفض إلى الخروج من مجال الإيمان كله..

وهو - سبحانه - يقررها، في جو وفي ملابسات تحدد صفتها، وتحدد النية المصاحبة لها، وتحدد الغاية من ورائها. بحيث لا يحسب على منهج الله تلك المفهومات الخاطئة للناس في عهود الجاهلية; حين يتحول الرجل جلادا - باسم الدين! - وتتحول المرأة رقيقا - باسم الدين! - أو حين يتحول الرجل امرأة وتتحول المرأة رجلا أو يتحول كلاهما إلى صنف ثالث مائع بين الرجل والمرأة - باسم التطور في فهم الدين - فهذه كلها أوضاع لا يصعب تمييزها عن الإسلام الصحيح ومقتضياته في نفوس المؤمنين!

وقد أبيحت هذه الإجراءات لمعالجة أعراض النشوز - قبل استفحالها - وأحيطت بالتحذيرات من سوء استعمالها، فور تقريرها وإباحتها. وتولى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنته العملية في بيته مع أهله، وبتوجيهاته الكلامية علاج الغلو هنا وهناك، وتصحيح المفهومات في أقوال كثيرة :

ورد في السنن والمسند: عن معاوية بن حيدة القشيري ، أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه. ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ..

وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا تضربوا إماء الله" .. فجاء عمر - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذئرت النساء على أزواجهن! فرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء كثير يشتكين أزواجهن! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن.. ليس أولئك بخياركم !!

وقال - صلى الله عليه وسلم - : لا يضرب أحدكم امرأته كالعير يجلدها أول النهار. ثم يضاجعها آخره .

وقال: خيركم خيركم لأهله. وأنا خيركم لأهلي ..

ومثل هذه النصوص والتوجيهات; والملابسات التي أحاطت بها; ترسم صورة لصراع الرواسب الجاهلية مع توجيهات المنهج الإسلامي، في المجتمع المسلم، في هذا المجال. وهي تشبه صورة الصراع بين هذه الرواسب وهذه التوجيهات في شتى مجالات الحياة الأخرى. قبل أن تستقر الأوضاع الإسلامية الجديدة، وتعمق جذورها الشعورية في أعماق الضمير المسلم في المجتمع الإسلامي..

وعلى أية حال فقد جعل لهذه الإجراءات حد تقف عنده - متى تحققت الغاية - عند مرحلة من مراحل هذه الإجراءات. فلا تتجاوز إلى ما وراءها:

فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ..

فعند تحقق الغاية تقف الوسيلة. مما يدل على أن الغاية - غاية الطاعة - هي المقصودة. وهي طاعة الاستجابة لا طاعة الإرغام. فهذه ليست طاعة تصلح لقيام مؤسسة الأسرة، قاعدة الجماعة. [ ص: 656 ] ويشير النص إلى أن المضي في هذه الإجراءات بعد تحقق الطاعة بغي وتحكم وتجاوز.

فلا تبغوا عليهن سبيلا ..

ثم يعقب على هذا النهي بالتذكير بالعلي الكبير.. كي تتطامن القلوب، وتعنو الرؤوس، وتتبخر مشاعر البغي والاستعلاء، إن طافت ببعض النفوس: على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب.

إن الله كان عليا كبيرا ..

ذلك حين لا يستعلن النشوز، وإنما تتقى بوادره. فأما إذا كان قد استعلن، فلا تتخذ تلك الإجراءات التي سلفت. إذ لا قيمة لها إذن ولا ثمرة. وإنما هي إذن صراع وحرب بين خصمين ليحطم أحدهما رأس الآخر! وهذا ليس المقصود، ولا المطلوب.. وكذلك إذا رئي أن استخدام هذه الإجراءات قد لا يجدي، بل سيزيد الشقة بعدا، والنشوز استعلانا; ويمزق بقية الخيوط التي لا تزال مربوطة. أو إذا أدى استخدام تلك الوسائل بالفعل إلى غير نتيجة.. في هذه الحالات كلها يشير المنهج الإسلامي الحكيم بإجراء أخير لإنقاذ المؤسسة العظيمة من الانهيار. قبل أن ينفض يديه منها ويدعها تنهار:

وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها. إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما. إن الله كان عليما خبيرا ..

وهكذا لا يدعو المنهج الإسلامي إلى الاستسلام لبوادر النشوز والكراهية; ولا إلى المسارعة بفصم عقدة النكاح، وتحطيم مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار - الذين لا ذنب لهم ولا يد ولا حيلة - فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإسلام بقدر خطورتها في بناء المجتمع، وفي إمداده باللبنات الجديدة، اللازمة لنموه ورقيه وامتداده.

إنه يلجأ إلى هذه الوسيلة الأخيرة - عند خوف الشقاق - فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلا.. يبعث حكم من أهلها ترتضيه، وحكم من أهله يرتضيه. يجتمعان في هدوء. بعيدين عن الانفعالات النفسية، والرواسب الشعورية، والملابسات المعيشية، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين. طليقين من هذه المؤثرات التي تفسد جو الحياة، وتعقد الأمور، وتبدو - لقربها من نفسي الزوجين - كبيرة تغطي على كل العوامل الطيبة الأخرى في حياتهما. حريصين على سمعة الأسرتين الأصليتين. مشفقين على الأطفال الصغار. بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما على الآخر - كما قد يكون الحال مع الزوجين في هذه الظروف - راغبين في خير الزوجين وأطفالهما ومؤسستهما المهددة بالدمار ... وفي الوقت ذاته هما مؤتمنان على أسرار الزوجين، لأنهما من أهلهما:

لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار. إذ لا مصلحة لهما في التشهير بها، بل مصلحتهما في دفنها ومداراتها! يجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح. فإن كان في نفسي الزوجين رغبة حقيقية في الإصلاح، وكان الغضب فقط هو الذي يحجب هذه الرغبة، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين، يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق:

إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ..

فهما يريدان الإصلاح، والله يستجيب لهما ويوفق..

وهذه هي الصلة بين قلوب الناس وسعيهم، ومشيئة الله وقدره.. إن قدر الله هو الذي يحقق ما يقع في [ ص: 657 ] حياة الناس. ولكن الناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا وبقدر الله - بعد ذلك - يكون ما يكون. ويكون عن علم بالسرائر وعن خبرة بالصوالح:

إن الله كان عليما خبيرا .

وهكذا نرى - في هذا الدرس - مدى الجدية والخطورة في نظرة الإسلام إلى المرأة وعلاقات الجنسين ومؤسسة الأسرة، وما يتصل بها من الروابط الاجتماعية.. ونرى مدى اهتمام المنهج الإسلامي بتنظيم هذا الجانب الخطير من الحياة الإنسانية. ونطلع على نماذج من الجهد الذي بذله هذا المنهج العظيم، وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة على هدى الله. الذي لا هدى سواه..

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث