الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الشرط الذي يرجع إلى المعقود عليه

جزء التالي صفحة
السابق

ولو جمع بين ما هو مال ، وبين ما ليس بمال في البيع بأن جمع بين حر ، وعبد أو بين عصير ، وخمر أو بين ذكية ، وميتة ، وباعهما صفقة واحدة ، فإن لم يبين حصة كل ، واحد منهما من الثمن لم ينعقد العقد أصلا بالإجماع ، وإن بين فكذلك عند أبي حنيفة ، وعندهما يجوز في العصير ، والعبد ، والذكية ، ويبطل في الحر ، والخمر ، والميتة ، ولو جمع بين قن ، ومدبر أو أم ولد ، ومكاتب أو بين عبده ، وعبد غيره ، وباعهما صفقة واحدة ; جاز البيع في عبده بلا خلاف .

( وجه ) قولهما أن الفساد بقدر المفسد ; لأن الحكم يثبت بقدر العلة ، والمفسد خص أحدهما ، فلا يتعمم الحكم مع خصوص العلة ، فلو جاء الفساد إنما يجيء من قبل جهالة الثمن ، فإذا بين حصة كل ، واحد منهما من الثمن ; فقد زال هذا المعنى أيضا ، ولهذا جاز بيع القن إذا جمع بينه ، وبين المدبر أو المكاتب أو أم الولد ، وباعهما صفقة واحدة ، كذا هذا ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الصفقة واحدة ، وقد فسدت في أحدهما فلا تصح في الآخر .

والدليل على أن الصفقة واحدة أن لفظ البيع والشراء لم يتكرر ، والبائع ، واحد ، والمشتري واحد ، وتفريق الثمن وهو التسمية لكل واحد منهما لا يمنع اتحاد الصفقة ، دل أن الصفقة واحدة ، وقد فسدت في أحدهما بيقين لخروج الحر والخمر والميتة عن محلية البيع بيقين ، فلا يصح في الآخر لاستحالة كون الصفقة الواحدة صحيحة وفاسدة ، ولهذا لم يصح إذا لم يسم لكل واحد منهما ثمنا فكذا إذا سمى ; لأن التسمية وتفريق الثمن لا يوجب تعدد الصفقة لاتحاد البيع والعاقدين بخلاف الجمع بين العبد والمدبر ; لأن هناك الصفقة ما فسدت في أحدهما بيقين بل بالاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ فاعتبر هذا الاحتمال في تصحيح الإضافة إلى المدبر ; ليظهر في حق القن إن لم يمكن إظهاره في حقه ، ولأنه لما جمع بينهما في الصفقة قد جعل قبول العقد في أحدهما شرط القبول في الآخر بدليل أنه لو قبل العقد في أحدهما دون الآخر لا يصح ، والحر لا يحتمل قبول العقد فيه ، فلا يصح القبول في الآخر بخلاف المدبر ; لأنه محل لقبول العقد فيه في الجملة ، فصح قبول العقد فيه إلا أنه تعذر إظهاره فيه بنوع اجتهاد فيجب إظهاره في القن ; ولأن في تصحيح العقد في [ ص: 146 ] أحدهما تفريق الصفقة على البائع قبل التمام ; لأنه أوجب البيع فيهما ، فالقبول في أحدهما يكون تفريقا ، وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا جمع بين القن والمدبر ، لأن المدبر محل لقبول البيع فيه لكونه مملوكا له إلا أنه لم ينفذ للحال مع احتمال النفاذ في الجملة بقضاء القاضي لحق المدبر .

وهذا يمنع محلية القبول في حق نفسه لا في صاحبه فيجعل محلا في حق صاحبه ، والدليل على التفرقة بين الفصلين أن الحكم ههنا يختلف بين أن يسمي لكل واحد منهما ثمنا أو لا يسمي ، وهناك لا يختلف دل أن الفرق بينهما لما ذكرنا ، وعلى هذا الخلاف إذا جمع بين شاة ذكية ، وبين متروك التسمية عمدا ثم إذا جاز البيع في أحدهما عندهما فهل يثبت الخيار فيه إن علم بالحرام ؟ يثبت ; لأن الصفقة تفرقت عليه ، وإن لم يعلم لا ; لأنه رضي بالتفريق ، والله - سبحانه ، وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث