الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة

وأما قوله تعالى : ( ويرسل عليكم حفظة ) فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) [ الرعد : 11 ] وقوله : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 18 ] وقوله : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) [ الانفطار : 10 ، 11 ] واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى : ( مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) [ الكهف : 49 ] وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن مع كل إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار : انتظره لعله يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه . والقول الأول أقوى ؛ لأن قوله تعالى : ( ويرسل عليكم حفظة ) يفيد حفظة الكل من غير تخصيص .

والبحث الثاني : أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال ، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها . أما في الأقوال ، فلقوله تعالى : ( من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ق : 18] وأما في الأعمال فلقوله تعالى : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) [ الانفطار : 10- 12 ] فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها .

البحث الثالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوها :

الأول : أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رءوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح .

الثاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة ؛ لأن وزن الأعمال غير ممكن ، أما وزن الصحائف فممكن .

الثالث : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة . وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه :

الوجه الأول : قال المتأخرون منهم : ( وهو القاهر فوق عباده ) ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج [ ص: 14 ] لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية ، فقالوا : المراد من قوله : ( ويرسل عليكم حفظة ) تلك النفوس والقوى ، فإنها هي التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها .

والوجه الثاني : وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها ، فبعضها خيرة وبعضها شريرة ، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا ، وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادئ من عالم الأفلاك ، وكذا الأرواح الخيرة ، وتلك المبادئ تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني أن تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة ، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها ؛ لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير .

والقول الثالث : النفس المتعلقة بهذا الجسد . لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة ، وهي أيضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها ، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها ؛ لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه ، وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث