الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة

المسألة الرابعة : قالت الشيعة : إن أحدا من آباء الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأجداده ما كان كافرا وأنكروا أن يقال : إن والد إبراهيم كان كافرا وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم - عليه السلام - . وما كان والدا له . واحتجوا على قولهم بوجوه :

الحجة الأولى : أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه :

منها قوله تعالى : ( الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) [ الشعراء : 218 ، 219 ] .

قيل معناه : إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير : فالآية دالة على أن جميع آباء محمد - عليه السلام - كانوا مسلمين . وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم - عليه السلام - كان مسلما .

فإن قيل : قوله : ( وتقلبك في الساجدين ) [الشعراء : 219] يحتمل وجوها أخر :

أحدها : إنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة على بيوت الصحابة ؛ لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم . فالمراد من قوله : ( وتقلبك في الساجدين ) [الشعراء : 219] طوافه - صلوات الله عليه - تلك الليلة على الساجدين .

وثانيها : المراد أنه - عليه السلام - كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطا بهم حال القيام والركوع والسجود .

وثالثها : أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين .

ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، والدليل عليه [ ص: 33 ] قوله - عليه السلام - : أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم .

والجواب : لفظ الآية محتمل للكل ، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي . فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود ، ومما يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد - عليه السلام - ما كان من المشركين قوله - عليه السلام - : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات وقال تعالى : ( إنما المشركون نجس ) [ التوبة : 28 ] وذلك يوجب أن يقال : إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين .

إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم - عليه السلام - ما كان مشركا ، وثبت أن آزر كان مشركا . فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا آخر غير آزر .

الحجة الثانية : على أن آزر ما كان والد إبراهيم - عليه السلام - . أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم - عليه السلام - شافه آزر بالغلظة والجفاء . ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز ، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم ، إنما قلنا : إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين :

الأول : أنه قرئ (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) بضم آزر وهذا يكون محمولا على النداء ، ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء .

الثاني : أنه قال لآزر : ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء . فثبت أنه - عليه السلام - شافه آزر بالجفاء ، وإنما قلنا : إن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه :

الأول : قوله تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم ، قال تعالى : ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) [ الإسراء : 23 ] وهذا أيضا عام .

الثاني : أنه تعالى لما بعث موسى - عليه السلام - إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) [ طه : 44 ] والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون . فههنا الوالد أولى بالرفق .

الثالث : أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب ، أما التغليظ فإنه يوجب التنفير والبعد عن القبول ؛ ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد - عليه السلام - : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل : 125 ] فكيف يليق بإبراهيم - عليه السلام - مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة ؟

الرابع : أنه تعالى حكى عن إبراهيم - عليه السلام - الحلم ، فقال : ( إن إبراهيم لحليم أواه ) [هود : 75] وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الأب ؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم - عليه السلام - بل كان عما له ، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له . وقال - عليه السلام - : ردوا علي أبي يعني العم العباس .

وأيضا يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم - عليه السلام - وهذا قد يقال له الأب ، والدليل عليه قوله تعالى : ( ومن ذريته داود وسليمان ) [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : ( وعيسى ) فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم - عليه السلام - كان جدا لعيسى من قبل الأم . وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافرا وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا وكان والد إبراهيم - عليه السلام - . وأيضا قوله تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ) [التوبة : 114] إلى قوله : ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) [ التوبة : 114 ] وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله( وتقلبك في الساجدين ) [الشعراء : 219] قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه . قوله [ ص: 34 ] تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال ؛ لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا لا يجوز ، وأما قوله- عليه السلام - : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحا ، أما قوله : التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم - عليه السلام - . قلنا : لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط . والله أعلم .

المسألة الخامسة : قرئ "آزر" بالنصب وهو عطف بيان لقوله : ( لأبيه ) وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرئ "آزر" بهاتين القراءتين ، وأما قوله : ( وقال موسى لأخيه هارون ) [الأعراف : 142] قرئ "هارون" بالنصب وما قرئ البتة بالضم فما الفرق ؟ قلت : القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة إبراهيم - عليه السلام - ؛ لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى - عليه السلام - فقد كان موسى - عليه السلام - يستخلف هارون على قومه فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة .

المسألة السادسة : اختلف الناس في تفسير لفظ "الإله" والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول ؛ لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه : ( أتتخذ أصناما آلهة ) وذلك يدل على أن تفسير لفظ "الإله" هو المعبود .

المسألة السابعة : اشتمل كلام إبراهيم - عليه السلام - في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين :

الأول : أن قوله : ( أتتخذ أصناما آلهة ) يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة ؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [الأنبياء : 22] .

والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيا ، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها البتة .

المسألة الثامنة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال : لأن إبراهيم - عليه السلام - حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال ؛ لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم - عليه السلام - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث