الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين

المسألة الثالثة : "الملكوت" هو الملك ، و "التاء" للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة .

واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين :

الأول : أن الله أراه الملكوت بالعين ، قالوا : إن الله تعالى شق له السماوات حتى رأى العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني ، وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني ، ورأى ما في السماوات من العجائب والبدائع ، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع . وعن ابن عباس أنه قال : لما أسري بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في [ ص: 36 ] السماوات وما في الأرض فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك ، فقال الله تعالى له : كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم ، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه :

الأول : أن أهل السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله ، فلا يليق أن يقال : إنه لما رفع إلى السماء أبصر عبدا على فاحشة .

الثاني : أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى ، وإذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه .

الثالث : أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ ، فإن كان صوابا فلم رده في المرة الثانية ؟ وإن كان خطأ فلم قبله في المرة الأولى ؟ ثم قال : وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها .

والقول الثاني : أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل ، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر . واحتج القائلون بهذا القول بوجوه :

الحجة الأولى : أن ملكوت السماوات عبارة عن ملك السماء ، والملك عبارة عن القدرة ، وقدرة الله لا ترى ، وإنما تعرف بالعقل ، وهذا كلام قاطع ، إلا أن يقال : المراد بملكوت السماوات والأرض نفس السماوات والأرض ، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة .

والحجة الثانية : أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال وهو قوله : ( وكذلك نري إبراهيم ) [الأنعام : 75] ثم فسرها بعد ذلك بقوله : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ) [ الأنعام : 76 ] فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال : إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال .

والحجة الثالثة : أنه تعالى قال في آخر الآية : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) [الأنعام : 83] والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه ؛ لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة ، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن . فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم .

والحجة الرابعة : أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلها قادرا على كل الممكنات . ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم . ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب . وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم .

والحجة الخامسة : أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم - عليه السلام - : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) فكذلك قال في حق هذه الأمة : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) [ فصلت : 53 ] فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك .

الحجة السادسة : أنه - عليه السلام - لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده : ( إني وجهت ) [ ص: 37 ] ( وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) [ الأنعام : 79 ] فحكم على السماوات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس . وذلك الدليل لو لم يكن عاما في كل السماوات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وإنه خطأ ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاما فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت . فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين .

الحجة السابعة : أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقا بالشك وقوله تعالى : ( وليكون من الموقنين ) كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين . فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل ، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال .

الحجة الثامنة : أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة ، وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع . وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة البتة . ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله . أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال . ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفا واحدا ، فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل بصره به صار محروما عن إدراك الحرف الأول ، أو عن إبصاره . فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة . وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية ، وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى مدح محمدا - عليه الصلاة والسلام - في ترك هذه الرؤية فقال : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [ النجم : 17 ] فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل ، لا بحسب البصر الظاهر .

فإن قيل : فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة تحصل لإبراهيم بسببها ؟

قلنا : جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء - عليهم السلام - ، ولهذا المعنى كان رسولنا - عليه الصلاة والسلام - يقول في دعائه : "اللهم أرنا الأشياء كما هي" فزال هذا الإشكال . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث