الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استحباب الطهارة لذكر الله عز وجل والرخصة في تركه

جزء التالي صفحة
السابق

باب استحباب الطهارة لذكر الله عز وجل والرخصة في تركه

275 - ( عن المهاجر بن قنفذ { أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه ، وقال : إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة } رواه أحمد وابن ماجه بنحوه )

[ ص: 266 ]

التالي السابق


[ ص: 266 ] الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي ، وهو يدل على كراهة الذكر للمحدث حدثا أصغر ، ولفظ أبي داود وهو يبول ، ويعارضه ما سيأتي من حديث علي وعائشة ، فإن في حديث علي لا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة ، فإذا كان الحدث الأصغر لا يمنعه عن قراءة القرآن وهو أفضل الذكر كان جواز ما عداه من الأذكار بطريق الأولى ، وكذلك حديث عائشة ، فإن قولها ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) مشعر بوقوع الذكر منه حال الحدث الأصغر ; لأنه من جملة الأحيان المذكورة ، فيمكن الجمع بأن هذا الحديث خاص فيخص به ذلك العموم ، ويمكن حمل الكراهة على كراهة التنزيه ، ومثله الحديث الذي بعده ، ويمكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الجواب ; لأنه لم يخش فوت من سلم عليه فيكون دليلا على جواز التراخي مع عدم خشية الفوت لمن كان مشتغلا بالوضوء ، ولكن التعليل بكراهته لذكر الله في تلك الحال يدل على أن الحدث سبب الكراهة من غير نظر إلى غيره .

276 - ( وعن أبي جهيم بن الحارث قال : { أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام } . متفق عليه . ومن الرخصة في ذلك حديث عبد الله بن سلمة عن علي ، وحديث ابن عباس ، قال : بت عند خالتي ميمونة . وسنذكرهما ) .

قوله ( : بئر جمل ) بجيم وميم مفتوحتين ، وفي رواية النسائي ( بئر الجمل ) بالألف واللام ، وهو موضع بقرب المدينة . قوله : ( حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ) وهو محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان عادما للماء حال التيمم ، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادرين على استعماله ، قال النووي : ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع . ولا فرق أيضا بين صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما ، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور .

وقال أبو حنيفة : يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما انتهى . وهو أيضا مذهب الهادوية .

وفي الحديث دلالة على جواز التيمم من الجدار إذا كان عليه غبار . قال النووي : وهو جائز عندنا ، وعند الجمهور من السلف والخلف . واحتج به من جوز التيمم بغير تراب . وأجيب بأنه محمول على جدار عليه تراب .

وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل ، كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها ، كما يجوز للفرائض ، وهذا مذهب العلماء كافة ، قاله النووي .

وفي الحديث : ( إن المسلم في حال قضاء الحاجة لا يستحق جوابا ) وهذا متفق عليه . قال النووي : [ ص: 267 ] ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله بشيء من الأذكار . قالوا : فلا يسبح ولا يهلل ، ولا يرد السلام ، ولا يشمت العاطس ، ولا يحمد الله إذا عطس ، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن ، وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع ، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه ، ولا يحرك به لسانه ، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر ، هو كراهة تنزيه لا تحريم ، فلا إثم على فاعله .

وإلى هذا ذهبت الشافعية والأكثرون ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وعطاء ومعبد الجهني وعكرمة ، وقال إبراهيم النخعي وابن سيرين : لا بأس بالذكر حال قضاء الحاجة ، ولا خلاف أن الضرورة إذا دعت إلى الكلام كما إذا رأى ضريرا يقع في بئر أو رأى حية تدنو من أعمى كان جائزا . وقد تقدم طرف من هذا الحديث ، وطرف من شرحه في باب : كف المتخلي عن الكلام . قوله : ( ومن الرخصة في ذلك حديث عبد الله بن سلمة عن علي ) سيذكره المصنف في باب تحريم القرآن على الحائض والجنب .

وفيه ( أنه كان لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة ) فأشعر بجواز قراءة القرآن في جميع الحالات إلا في حالة الجنابة ، والقرآن أشرف الذكر ، فجواز غيره بالأولى . ومن جملة الحالات حالة الحدث الأصغر . قوله : ( وحديث ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة ) محل الدلالة منه قوله ثم قرأ العشر الآيات أولها { إن في خلق السموات والأرض } إلى آخر السورة ، قال ابن بطال ومن تبعه فيه دليل على رد قول من كره قراءة القرآن على غير طهارة ; لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ ، وتعقبه ابن المنير وغيره ، بأن ذلك مفرع على أن النوم في حقه ينقض ، وليس كذلك ; لأنه قال : { تنام عيناي ولا ينام قلبي } .

وأما كونه توضأ عقب ذلك ، فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ . قال الحافظ : وهو تعقب جيد بالنسبة إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم ; لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم ، لكن لما عقب ذلك بالوضوء كان ظاهرا في كونه أحدث ، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم نعم خصوصيته أنه إن وقع شعر به بخلاف غيره ، وما ادعوه من التجديد وغيره . الأصل عدمه ، وقد سبق الإسماعيلي إلى معنى ما ذكره ابن المنير .

277 - ( وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه } رواه الخمسة إلا النسائي وذكره البخاري بغير إسناد ) [ ص: 268 ] الحديث أخرجه مسلم أيضا ، قال النووي في شرح مسلم : هذا الحديث أصل في ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار . وهذا جائز بإجماع المسلمين . وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض ، وسيأتي الكلام على ذلك في باب : تحريم القراءة على الحائض والجنب . واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط ، وفي حالة الجماع . وقد ذكرنا ذلك في الحديث الذي قبل هذا ، فيكون الحديث مخصوصا بما سوى هذه الأحوال ، ويكون المقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى متطهرا ومحدثا وجنبا وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا ، قاله النووي . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث