الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء

ثم قال تعالى : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) وفيه مباحث :

البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي " ثمره " بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو " ثمره " بضم الثاء وسكون الميم ، والباقون بفتح الثاء والميم ؛ أما قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان :

الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمره على ثمر ، كما قالوا : خشبة وخشب ، قال تعالى : ( كأنهم خشب مسندة ) [ المنافقون : 4 ] وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر :

[ ص: 91 ]


ترى الأكم فيها سجدا للحوافر



والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمره على ثمار . ثم جمع ثمارا على ثمر ، فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر ؛ كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز .

والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال : ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل ، وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب " الكشاف " : وقرئ " وينعه " بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن : " ويانعه " .

والبحث الثالث : قوله : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر ) أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها ؛ وقوله : ( وينعه ) أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ؛ لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم ، المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة ، ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : ( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى ؛ لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله : ( هدى للمتقين ) [ البقرة : 2 ] .

ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلا قال : لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية ؟ فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان ، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلا ، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث