الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

المسألة الثانية : في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية .

اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين :

الأول : أنهم قالوا : الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، بدليل أن قائلا لو قال : أدركته ببصري وما رأيته ، أو قال : رأيته وما أدركته ببصري ، فإنه يكون كلامه متناقضا ، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية .

[ ص: 104 ] إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان :

الأول : يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة الفلانية ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله ؛ فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال ، وذلك يدل على أن أحدا لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال .

الوجه الثاني في بيان أن هذه الآية تفيد العموم : أن عائشة - رضي الله عنها - لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية ، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال ، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علما بلغة العرب ؛ فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص ، وذلك يفيد المطلوب .

الوجه الثاني : في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا : إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء ، وقوله بعد ذلك : ( وهو يدرك الأبصار ) أيضا مدح وثناء ، فوجب أن يكون قوله : ( لا تدركه الأبصار ) مدحا وثناء ، وإلا لزم أن يقال : إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء ، وذلك يوجب الركاكة ، وهي غير لائقة بكلام الله .

إذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه مدحا ، ولم يكن ذلك من باب الفعل ، كان ثبوته نقصا في حق الله تعالى ، والنقص على الله تعالى محال ؛ لقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) [ البقرة : 255 ] وقوله : ( ليس كمثله شيء ) [ الشورى : 11 ] وقوله : ( لم يلد ولم يولد ) [ الإخلاص : 3 ] إلى غير ذلك ؛ فوجب أن يقال كونه تعالى مرئيا محال .

واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل ؛ لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله : ( وما الله يريد ظلما للعالمين ) [ آل عمران : 108 ] وقوله : ( وما ربك بظلام للعبيد ) [ فصلت : 46 ] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم ، فذكروا هذا القيد دفعا لهذا النقض عن كلامهم ؛ فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب .

والجواب عن الوجه الأول من وجوه :

الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية ، والدليل عليه : أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول ، قال تعالى : ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) [ الشعراء : 61 ] أي لملحقون ؛ وقال : ( حتى إذا أدركه الغرق ) [ يونس : 90 ] أي لحقه ، ويقال : أدرك فلان فلانا ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت ؛ فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء .

إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته ؛ صار كأن ذلك الإبصار أحاط به ؛ فتسمى هذه الرؤية إدراكا ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا ؛ فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة ، ورؤية لا مع الإحاطة ، والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس ، فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم .

[ ص: 105 ] قلنا : هذا بعيد ؛ لأن الإدراك أخص من الرؤية ، وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم ، وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم ، فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا .

الوجه الثاني : في الاعتراض أن نقول : هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، لكن لم قلتم أن قوله : ( لا تدركه الأبصار ) يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص ، وعن كل الأحوال ، وفي كل الأوقات ؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة ، مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير ، وعموم النفي غير ، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص ، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال ، وأما قوله : إن عائشة - رضي الله عنها - تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية ؛ فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد ، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله : ( لا تدركه الأبصار ) يفيد نفي العموم ، وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ، ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي ، فسقط كلامهم .

الوجه الثالث : أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق ، فقد تحمل على المعهود السابق أيضا ، وإذا كان كذلك فقوله : ( لا تدركه الأبصار ) يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه ، ونحن نقول بموجبه ؛ فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى ، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها ، وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله ؟ .

الوجه الرابع : سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى ، فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به ؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة .

الوجه الخامس : هب أن هذه الآية عامة ، إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام ، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا ؟ .

الوجه السادس : أن نقول بموجب الآية ، فنقول : سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى ، فلم قلتم : إن المبصرين لا يدركون الله تعالى ؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول ، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته ، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته ، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته ، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية ، ثم نقول : إن النفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء ، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبا للمدح والثناء ، والعلم به ضروري ، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء ؛ قيل : بأن ذلك النفي يوجب المدح . ومثاله أن قوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) [ البقرة : 255 ] لا يفيد المدح نظرا إلى هذا النفي ، فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه [ ص: 106 ] تعالى عالما بجميع المعلومات أبدا من غير تبدل ولا زوال ، وكذلك قوله : ( وهو يطعم ولا يطعم ) [ الأنعام : 14 ] يدل على كونه قائما بنفسه ، غنيا في ذاته ؛ لأن الجماد أيضا لا يأكل ولا يطعم .

إذا ثبت هذا فنقول : قوله : ( لا تدركه الأبصار ) يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء ، وذلك هو الذي قلناه ، فإنه يفيد كونه تعالى قادرا على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته ، وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة ؛ فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث