الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما :

اعلم أن المال خلق لحكمة ، وهو صلاحه لحاجات الخلق ، فيمكن إمساكه عن صرفه إلى ما خلق الصرف إليه ، ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ، ويمكن التصرف فيه بالعدل ، وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ، ويبذل حيث يجب البذل ، فالإمساك حيث يجب البذل بخل ، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير ، وبينها وسط هو المحمود ، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه ، إذ لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء ، وقد قيل : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) [ الإسراء : 29 ] وقال تعالى : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) [ الفرقان : 67 ] .

فالجود وسط بين الإسراف والإقتار ، وبين البسط والقبض ، وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ، ولا بد أن يكون قلبه طيبا به غير منازع له فيه ، ثم إن الواجب بذله قسمان : واجب بالشرع ، وواجب بالمروءة والعادة .

والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ، ولا واجب المروءة ، فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل ، كالذي يمنع أداء الزكاة ، ويمنع عياله وأهله النفقة أو [ ص: 227 ] يؤديها ولكنه يشق عليه فإنه بخيل بالطبع ، أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ، ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله أو من وسطه فهذا كله بخل .

ومن واجب المروءة ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات ، فإن ذلك مستقبح ، واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص ، فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ، ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ، ما لا يستقبح من الأجانب ، ويستقبح من الجار ما لا يستقبح من البعيد ، ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة .

وبالجملة فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة ، ومن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل ، نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات ، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ، ولا يكون عن طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء ، فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد فإنه يشتري المدح بماله ، ومثله من يبعثه عليه الخوف من الهجاء أو ملامة الخلق فإنه ليس من الجود ; لأنه مضطر إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث