الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم

جزء التالي صفحة
السابق

أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قديروما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين

أصابتكم مصيبة يريد: ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم قد أصبتم مثليها يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين، و"لما" نصب بـ"قلتم"، و"أصابتكم": في محل الجر بإضافة "لما" إليه، وتقديره: أقلتم حين أصابتكم، و أنى هذا : نصب; لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع.

فإن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟ قلت: على ما مضى من قصة أحد من قوله: ولقد صدقكم الله وعده ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا، "أنى هذا": من أين هذا؟ كقوله تعالى: أنى لك هذا [آل عمران : 37] لقوله: من عند أنفسكم وقوله: ( من عند الله ) .

والمعنى: أنتم السبب فيما أصابكم; لاختياركم الخروج من المدينة، أو [ ص: 655 ] لتخليتكم المركز.

وعن علي -رضي الله عنه -: لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم إن الله على كل شيء قدير : فهو قادر على النصر وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى وما أصابكم يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين "ف" هو كائن ( بإذن الله ) أي: بتخليته، استعار الإذن لتخليته الكفار، وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم; لأن الآذن مخل بين المأذون له ومراده، "وليعلم": وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء وقيل لهم من جملة الصلة عطف على (نافقوا) وإنما لم يقل: فقالوا؛ لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه قيل: فماذا قالوا لهم؟ فقيل: قالوا: لو نعلم، ويجوز أن تقتصر الصلة على "نافقوا": ويكون وقيل لهم كلاما مبتدأ، قسم الأمر عليهم بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون وبين أن يقاتلوا - إن لم يكن بهم غم الآخرة - دفعا عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأسا؛ لنفاقهم ودغلهم، وذلك ما روي أن عبد الله بن أبي انخذل مع حلفائه، فقيل له، فقال ذلك، وقيل: أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا؛ لأن كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه.

وعن سهل بن سعد الساعدي - وقد كف بصره -: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم، قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال لقوله: أو ادفعوا أراد: كثروا سوادهم.

ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم: لو نعلم قتالا لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا "لاتبعناكم" يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة; لأن رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج.

هم [ ص: 656 ] للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يعني: أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر، وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان; لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين، يقولون بأفواههم لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعي قلوبهم منه شيئا، وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم والله أعلم بما يكتمون من النفاق، وبما يجري بعضهم مع بعض من ذم المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك; لأنكم تعلمون بعض ذلك علما مجملا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته.

الذين قالوا في إعرابه أوجه:

أن يكون نصبا على الذم، أو على الرد على الذين نافقوا، أو رفعا على هم الذين قالوا، أو على الإبدال من واو يكتمون، ويجوز أن يكون مجرورا بدلا من الضمير في "بأفواههم" أو "قلوبهم" كقوله [من الطويل]:


على جوده لضن بالماء حاتم



"لإخوانهم": لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد، أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار "وقعدوا" أي: قالوا وقد قعدوا على القتال: لو أطاعنا إخواننا [ ص: 657 ] فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلا - وهو القعود عن القتال - فجدوا إلى دفع الموت سبيلا، يعني أن ذلك الدفع غير مغن عنكم؛ لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها، وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا.

فإن قلت: فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله: إن كنتم صادقين ؟ قلت: معناه: أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره; لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم؟ وما أنكرتم أن يكون السبب غيره.

ووجه آخر: إن كنتم صادقين في قولكم: لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني: أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين.

وقوله: فادرءوا عن أنفسكم الموت استهزاء بهم، أي: إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب الموت، فادرءوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث