الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم

إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين :

الأول : أن قوله : ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة .

والثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله ، ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) فائدة . فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود ، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين ، فصارت هذه الآية دالة على[ عدم حرمة ] هذه الحيوانات على المسلمين ، وعند هذا نقول : ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف؛ لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى ، فوجب أن لا يكون مقبولا ، وعلى هذا التقدير : يقوى قول مالك في هذه المسألة .

النوع الثاني : من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة ، قوله تعالى : ( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم ، ثم في الآية قولان : الأول : إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع : أولها : قوله : ( إلا ما حملت ظهورهما ) قال ابن عباس : إلا ما علق بالظهر من الشحم ، فإني لم أحرمه وقال قتادة : إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها ، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير : فذلك اللحم السمين الملتصق مسمى بالشحم ، وبهذا التقدير : لو حلف لا يأكل الشحم ، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين .

والاستثناء الثاني : قوله تعالى : ( أو الحوايا ) قال الواحدي : وهي المباعر والمصارين ، واحدتها حاوية وحوية، قال ابن الأعرابي : هي الحوية أو الحاوية ، وهي الدوارة التي في بطن الشاة . وقال ابن السكيت : يقال حاوية وحوايا ، مثل راوية وروايا .

إذا عرفت هذا : فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة .

والاستثناء الثالث : قوله : ( ما اختلط بعظم ) قالوا : إنه شحم الألية في قول جميع المفسرين . وقال ابن جريج : كل شحم في القائم والجنب والرأس ، وفي العينين والأذنين . يقول : إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم ، وعلى هذا التقدير : فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية .

القول الثاني : في الآية أن قوله : ( أو الحوايا ) غير معطوف على المستثنى ، بل على المستثنى منه والتقدير : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا : [ ص: 184 ] ودخلت كلمة " أو " كدخولها في قوله تعالى : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) [ الإنسان : 24 ] والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى ، فاعص هذا واعص هذا ، فكذا هاهنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا .

ثم قال تعالى : ( ذلك جزيناهم ببغيهم ) والمعنى : أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم ، وهو قتلهم الأنبياء ، وأخذهم الربا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، ونظيره قوله تعالى : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) [ النساء : 160 ] .

ثم قال تعالى : ( وإنا لصادقون ) أي في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم . قال القاضي : نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم ؛ لأن التكليف تعريض للثواب ، والتعريض للثواب إحسان، فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم .

فالجواب : أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب ، ويمكن أيضا أن يكون للجرم المتقدم ، وكل واحد منهما غير مستبعد .

ثم قال تعالى : ( فإن كذبوك ) يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة ، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام ( فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ( ولا يرد بأسه ) أي عذابه إذا جاء الوقت ( عن القوم المجرمين ) يعني الذين كذبوك فيما تقول . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث