الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله : ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) فكلمة " لو " في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم ، وما هداهم أيضا .

وتقريره بحسب الدليل العقلي ، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان ، فالله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان ، فلو شاء الإيمان منه ، فقد شاء الفعل من غير قدرة على الفعل ، وذلك محال ومشيئة المحال محال ، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة .

فإن قلنا : إنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة ، ومجموعهما موجب للفعل ، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل ، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان ، وإذا امتنع ذلك منه ، امتنع أن يريده الله منه ؛ لأن إرادة المحال محال ممتنع ، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر ، والبرهان العقلي الذي قررناه يدل عليه أيضا ، فبطل قولهم من كل الوجوه ، أما قوله : تحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء فنقول : هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام ، أما لو قام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل [ ص: 188 ] عليه هذا الظاهر ، فكيف يصار إليه ؟ ثم نقول : هذا الدليل باطل من وجوه :

الأول : أن هذا الكلام لا بد فيه من إضمار ، فنحن نقول : التقدير : لو شاء الهداية لهداكم ، وأنتم تقولون التقدير : لو شاء الهداية على سبيل الإلجاء لهداكم ، فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحا .

الثاني : أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري ، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار ، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزا عن تحصيل مراده ؛ لأن مراده هو الإيمان الاختياري ، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله ، فكان القول بالعجز لازما .

الثالث : أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار ، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء . أما الإيمان الحاصل بالاختيار . فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة ، وإرادة لازمة . فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل ، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب . فإن وجب فهي الداعية الضرورية ، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق . وإن لم يجب ترتب الفعل عليها ، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها ، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفا عنها ، وتارة غير متخلف ، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية ، وقد فرضناه كذلك ، وهذا خلف ، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق ، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل ، وهو محال . فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبرا ، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث