الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : ولو ادعياه معا ثبت نسبه منهما وهي أم ولدهما وعلى كل واحد نصف العقر وتقاصا وورث من كل إرث ابن وورثا منه إرث أب ) أما ثبوت النسب منهما فلكتاب عمر إلى شريح في هذه الحادثة لبسا فلبس عليهما ولو بينا لبين لهما هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما وكان ذلك بمحضر من الصحابة وعن علي مثل ذلك ولأنهما استويا في سبب الاستحقاق فيستويان فيه ، والنسب وإن كان لا يتجزى ولكن يتعلق به أحكام متجزئة فما يقبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما كملا كأن ليس معه غيره ولا اعتبار بقول القائف ، وسرور النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أسامة إنما كان لأن الكفار كانوا يطعنون في نسب أسامة فكان قول القائف مقطعا لطعنهم فسر به ، وأما كونها أم ولد لهما فلصحة دعوى كل واحد منهما في نصيبه في الولد فيصير نصيبه فيها أم ولد له تبعا لولدها ، وأما لزوم نصف العقر على كل واحد منهما فلما قدمناه .

وأما التقاص فلعدم فائدة الاشتغال بالاستيفاء ، وفائدة إيجاب العقر مع التقاص به أن أحدهما لو أبرأ أحدهما عن حقه بقي حق الآخر وأيضا لو قدر نصيب أحدهما بالدراهم والآخر بالدنانير كان له أن يدفع الدراهم ويأخذ الدنانير كما في فتح القدير ، وإن كان نصيب أحدهما أكثر من نصيب الآخر يأخذ منه الزيادة ، وأما ميراثه من كل واحد منهما ميراث ابن كامل فلأنه أقر له بميراثه كله وهو حجة في حقه وأما إرثهما منه ميراث أب واحد إذا مات وهما حيان فلاستوائهما في النسب كما إذا أقاما البينة . وأطلق في الشريكين وهو مقيد باستوائهما في الأوصاف فلو ترجح أحدهما لم يعارضه المرجوح فيقدم الأب على الابن والمسلم على الذمي والحر على العبد والذمي على المرتد والكتابي على المجوسي ، والعبرة لهذه [ ص: 298 ] الأوصاف وقت الدعوة لا العلوق كما في غاية البيان ، وفي المبسوط : أمة بين مسلم وذمي ومكاتب ومدبر وعبد ولدت فادعوه فالحر المسلم أولى لاجتماع الإسلام والحرية فيه مع الملك فإن لم يكن فيه مسلم بل من بعده فقط فالذمي أولى ; لأنه حر ، والمكاتب والعبد وإن كانا مسلمين لكن نيل الولد تحصيل الإسلام دون الحرية ثم المكاتب ; لأن له حق ملك ، والولد على شرف الحرية بأداء الكتابة ، وإن لم يكن مكاتب ، وادعى المدبر والعبد لا يثبت من واحد منهما النسب ; لأنهم ليس لهم ملك ولا شبهة ملك قيل وجب أن يكون هذا الجواب في العبد المحجور وهبت له أمة ولا يتعين ذلك بين أن يزوج منها أيضا كذا في فتح القدير وفي الظهيرية ولو كانت الجارية بين رجل وأبيه وجده فجاءت بولد فادعوه كلهم فالجد أولى ا هـ .

وقيد بكون كل واحد منهما ادعى نسبه ; لأنها لو كانت بين رجلين فولدت ولدا فادعاه أحدهما وأعتقه الآخر وخرج الكلامان معا كانت الدعوة أولى من الإعتاق ; لأن الدعوة تستند إلى حالة العلوق والإعتاق فيقتصر على الحال ا هـ .

وأطلق في كونها مشتركة بينهما ولم يقيد باستوائهما في القدر لأنها لو كانت بين اثنين لأحدهما عشرها وللآخر تسعة أعشارها فجاءت بولد فادعياه معا فإنه ابنهما ابن هذا كله وابن ذلك كله فإن مات ورثاه نصفين ، وإن جنى عقل عواقلهما نصفين ، وإن جنت الأمة فعلى صاحب العشر عشر موجب الجناية وعلى الآخر تسعة أعشار موجبها وكذا أولادها لهما على هذا ولو أن رجلين اشتريا عبدا ليس له نسب معروف أحدهما عشره والآخر تسعة أعشاره ، ثم ادعياه معا فهو ابنهما لا يفضل أحدهما على صاحبه في النسب فإن جنى فجنايته على عواقلهما أعشارا كذا في الظهيرية ، وقيد بكونهما اثنين للاختلاف فيما زاد عليهما فعند أبي حنيفة يثبت النسب من المدعيين وإن كثروا وقال أبو يوسف يثبت نسبه من اثنين ولا يثبت نسبه من الثلاثة وعند محمد يثبت من الثلاثة لا غير وقال زفر : يثبت من خمسة فقط وهو رواية الحسن بن زياد عن الإمام ، وفي غاية البيان لو تنازع فيه امرأتان قضي به أيضا بينهما عند أبي حنيفة وعندهما لا يقضى للمرأتين وكذلك يثبت عند أبي حنيفة للخمس ولو تنازع فيه رجل وامرأتان يقضى به بينهم عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يقضى للرجل ولا يقضى للمرأتين ، وإذا تنازع فيه رجلان وامرأتان كل رجل يدعي أنه ابنه من هذه المرأة ، والمرأة لا تصدقه على ذلك فعند أبي حنيفة يقضى بين الرجلين ولا يقضى بين المرأتين ا هـ .

وأفاد بكونها أم ولد لهما أنها تخدم كلا منهما يوما ، وإذا مات أحدهما عتقت ولا ضمان للحي في تركة الميت لرضا كل منهما بعتقها بعد الموت ولا تسعى للحي عند أبي حنيفة لعدم تقومها وعلى قولهما تسعى في نصف قيمتها له ولو أعتقها أحدهما عتقت ولا ضمان عليه للساكت ولا سعاية في قول أبي حنيفة وعلى قولهما يضمن إن كان موسرا وتسعى إن كان معسرا كذا في فتح القدير فعلى هذا محل قول الإمام : العتق يتجزأ في القنة أما في أم الولد فعتقها لا يتجزأ اتفاقا وقد نبه عليه في المجتبى ، وفي البدائع وإن كانت الأنصباء مختلفة بأن كان لأحدهم السدس وللآخر الربع وللآخر الثلث وللآخر ما بقي يثبت نسبه منهم ، ويصير نصيب كل واحد من الجارية أم ولد له لا يتعدى إلى نصيب صاحبه حتى تكون الخدمة والكسب والغلة بينهم على قدر أنصبائهم ; لأن كل واحد يثبت الاستيلاد منه في نصيبه فلا يجوز أن يثبت [ ص: 299 ] فيه استيلاد غيره ا هـ .

فالحاصل أن الأنصباء إذا كانت مختلفة فالحكم في حق الولد لا يختلف فأما الاستيلاد فيثبت لكل واحد منهما بقدر ملكه كذا في الظهيرية .

وأطلق المصنف في كونها أم ولد لهما وهو مقيد بما إذا كانت حبلت في ملكهما بأن ولدت لستة أشهر فأكثر من يوم الشراء أما إذا اشترياها وهي حامل بأن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء فادعياه أو اشترياها بعد الولادة ثم ادعياه فإنها لا تكون أم ولد لهما ; لأن هذه دعوة عتق لا دعوة استيلاد فيعتق الولد مقتصرا على وقت الدعوة بخلاف الاستيلاد فإن شرطها كون العلوق في الملك وتستند الحرية إلى وقت العلوق فيعلق حرا وكذا لو كان الحمل على ملك أحدهما بالتزوج ثم اشتراها هو وآخر فولدت لأقل من ستة أشهر من الشراء فادعياهفهي أم ولد الزوج فإن نصيبه صار أم ولد له ، والاستيلاد لا يحتمل التجزي عندهما ولا إبقاءه عنده ، فيثبت في نصيب شريكه أيضا وكذا إذا حملت على ملك أحدهما رقبة فباع نصفها من آخر فولدت يعني لتمام ستة أشهر من بيع النصف فادعياه يكون الأول أولى لكون العلوق أولى في ملكه كذا في فتح القدير وهي ليست كأم ولد لواحد ; لأنها لو جاءت بعد ذلك بولد لم يثبت نسبه من واحد إلا بالدعوى ; لأن الوطء حرام فتعتبر الدعوة كذا في المجتبى وأفاد بقوله وورثا منه إرث أب أنه لو مات أحدهما قبل الولد فجميع ميراثه للباقي منهما وأن الولاية عليه في التصرف مشتركة ولذا قال في الخانية من باب الوصي : رجلان ادعيا صغيرا ادعى كل واحد منهما أنه ابنه من أمة مشتركة بينهما فإنه يثبت نسبه منهما فإن كان لهذا الولد مال ورثه من أخ له من أمه أو وهب له أخوه لا ينفرد بالتصرف في ذلك المال أحد الأبوين عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ينفرد ا هـ .

وأما ولاية الإنكاح فلكل واحد منهما الانفراد به قال في التبيين : النسب وإن كان لا يتجزأ لكن يتعلق به أحكام متجزئة كالميراث والنفقة والحضانة والتصرف في المال وأحكام غير متجزئة كالنسب وولاية الإنكاح فما يقبل التجزئة يثبت بينهما على التجزئة وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما على الكمال كأنه ليس معه غيره ا هـ .

وذكر في صدقة الفطر أن صدقة فطر الولد عليهما لكن عند أبي يوسف على كل واحد منهما صدقة تامة وعند محمد عليهما صدقة واحد ، وأما الأم فلا تجب على واحد منهما صدقتها اتفاقا وذكر في الخانية من فصل الجزية لو حدث بين النجراني والتغلبي ولد ذكر من جارية وادعياه جميعا معا فمات الأبوان وكبر الولد لم تؤخذ منه الجزية وذكر في السير أنه إن مات التغلبي أولا تؤخذ منه جزية أهل نجران ، وإن مات النجراني أولا تؤخذ منه جزية أهل تغلب ، وإن ماتا معا يؤخذ النصف من هذا والنصف من هذا ا هـ .

التالي السابق


( قوله : والذمي على المرتد ) تبعه في النهر والشرنبلالية والذي رأيته في غاية البيان والفتح والتبيين أن المرتد يقدم على الذمي تأمل . [ ص: 298 ] ( قوله : بين أن يزوج منها ) الذي في الفتح " بل " بدل " بين " وهو أظهر . ( قوله : أما في أم الولد فعتقها لا يتجزى اتفاقا ) لم يتعرض لإعتاق المدبر والمكاتب ، وتخصيصه بأم الولد يفيد تجزي إعتاق المدبر والمكاتب أما المدبر فيدل عليه ما قدمه في بابه عند قوله " فلا يباع ولا يوهب " من أنه لو كان المدبر بين اثنين أعتقه أحدهما وهو موسر وضمن قيمة نصيب شريكه عتق المدبر ولم يتغير الولاء ; لأن العتق ههنا ثبت من جهة المدبر في الحقيقة لا من جهة المعتق ; لأن المعتق بأداء الضمان لا يملك نصيب الشريك ههنا ; لأن المدبر لا يقبل الانتقال إلخ فعدم تغير الولاء أي بقاؤه بين المدبر والمعتق دليل على أنه لم يعتق كله من جهة المعتق ، وإلا كان الولاء له وأما المكاتب فيدل عليه ما في كافي الحاكم من أنه إذا كاتبا عبدهما ثم أعتقه أحدهما جاز والمكاتب بالخيار إن شاء عجز ، ويكون الشريك بالخيار بين التضمين وبين السعاية في نصف القيمة والعتق عنده وقال أبو يوسف : يضمن نصف قيمته لو موسرا وقال محمد : يضمن الأقل من نصف القيمة ونصف ما بقي من المكاتبة ، وإن لم يعجز حتى مات عن مال كثير أخذ الذي لم يعتق نصف المكاتبة من ماله ، والباقي لورثته فهذا صريح في أن إعتاق المكاتب يتجزى عنده ولذا تخير الشريك بين الاستسعاء والعتق والله أعلم [ ص: 299 ]

( قوله : أما إذا اشترياها وهي حامل ) قال الزيلعي عقب قوله ثبت نسبه منهما : معناه إذا حبلت في ملكهما وكذا إذا اشتريا حبلى لا يختلف في حق ثبوت النسب منهما ، وإنما يختلف في حق وجوب العقر والولاء وضمان قيمة الولد حتى لا يجب على كل واحد منهما العقر لصاحبه لعدم الوطء في ملكه ويجب عليه نصف قيمة الولد إن كان المدعي واحدا ويثبت لكل واحد منهما فيه الولاء ; لأنه تحرير على ما عرف في موضعه ا هـ .

وقوله : ويجب عليه نصف قيمة الولد أي وقد اشترياها حبلى بخلاف ما إذا حبلت في ملكهما فادعاه أحدهما فإنه لا يلزمه نصف قيمة الولد ، وقوله : على ما عرف في موضعه يعني من أن هذه دعوة عتق فيعتق مقتصرا على وقت الدعوة لا دعوة الاستيلاد ; لأن شرطها العلوق في الملك وهو منتف كذا في الشرنبلالية .

( قوله : وهي ليست كأم ولد لواحد إلخ ) أقول : الظاهر أن الضمير راجع لأصل المسألة وهي ما إذا ادعياه معا ولا مرجح حتى ثبت نسبه منهما ; لأنها تبقى مشتركة بينهما فلا يحل وطؤها لأحدهما بخلاف ما إذا وجد المرجح بأن حملت على ملك أحدهما نكاحا ، أو رقبة حتى ثبت من الأرجح وهو الزوج والمالك الأول وتصير أم ولد له فلم تبق مشتركة ويدل لما قلنا أنه في المجتبى قال في تعليل أصل المسألة ولأنهما استويا في سبب الاستحقاق فيستويان فيه حتى لو وجد المرجح لا يثبت منهما بأن كان أحدهما أب الآخر ، أو كان مسلما والآخر ذميا ثبت من الأب والمسلم لوجود المرجح ولما ثبت نسبه منهما صارت أمه أم ولد لهما ويقع عقرهما قصاصا ولو جاءت بآخر لم يثبت نسبه من واحد إلا بالدعوى لأن الوطء حرام فتعتبر الدعوة ا هـ .

فقوله : ولما ثبت نسبه منهما إلخ صريح في رجوعه لأصل المسألة فتنبه لذلك فإنه مما خفي على كثيرين ولم أر من نبه عليه والله سبحانه أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث