الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )

قوله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ( وأن هذا ) بفتح الألف وسكون النون ، وقرأ حمزة والكسائي ( وإن ) بكسر الألف وتشديد النون ، أما قراءة ابن عامر فأصلها ( وإنه هذا صراطي ) والهاء ضمير الشأن والحديث ، وعلى هذا الشرط تخفف . قال الأعشى :


في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل



أي : قد علموا أنه هالك ، وأما كسر (إن) فالتقدير ( أتل ما حرم ) وأتل أن هذا صراطي بمعنى أقول ، وقيل على الاستئناف . وأما فتح أن ، فقال الفراء : فتح ( أن ) من وقوع أتل عليها يعني وأتل عليكم ( أن هذا صراطي مستقيما ) قال : وإن شئت جعلتها خفضا ، والتقدير : ذلكم وصاكم به وبأن هذا صراطي .

قال أبو علي : من فتح ( أن ) فقياس قول سيبويه أنه حملها على قوله : ( فاتبعوه ) ، والتقدير : لأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه كقوله : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) [المؤمنون : 52] وقال سيبويه : لأن هذه أمتكم ، وقال في قوله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [الجن : 18] والمعنى : ولأن المساجد لله .

المسألة الثانية : القراء أجمعوا على سكون الياء من ( صراطي ) غير ابن عامر فإنه فتحها ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ( سراطي ) بالسين ، وحمزة بين الصاد والزاي ، والباقون بالصاد صافية ، وكلها لغات ، قال صاحب "الكشاف" : قرأ الأعمش ( وهذا صراطي ) وفي مصحف عبد الله : ( وهذا صراط ربكم ) وفي مصحف أبي ( وهذا صراط ربك ) .

[ ص: 4 ] المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصى به أجمل في آخره إجمالا يقتضي دخول ما تقدم فيه ، ودخول سائر الشريعة فيه فقال : ( وأن هذا صراطي مستقيما ) فدخل فيه كل ما بينه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم ، فاتبعوا جملته وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات .

وعن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا ، ثم قال : هذا سبيل الرشد ، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ، ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ؟ ثم تلا هذه الآية : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) ، وعن ابن عباس : هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، من عمل بهن دخل الجنة ، ومن تركهن دخل النار .

المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقا فهو واحد ، ولا يلزم منه أن يقال : إن كل ما كان واحدا فهو حق ، فإذا كان الحق واحدا كان كل ما سواه باطلا ، وما سوى الحق أشياء كثيرة ، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل ، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيرا بعين ما قررناه في القضية الأولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث