الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط

جزء التالي صفحة
السابق

154 128 - وأما حديثه عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط ; حتى لا يسمع النداء ، ( فإذا قضي النداء أقبل ، حتى إذا ثوب [ ص: 48 ] بالصلاة أدبر ، حتى إذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ; يقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى " . )

[ ص: 49 ]

التالي السابق


[ ص: 49 ] 4062 - الحديث ففيه أن من شأن الصلاة النداء لها . قال ، تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا [ المائدة : 58 ] . وقال ، تعالى : إذا نودي للصلاة [ الجمعة : 9 ] .

4063 - وأجمع المسلمون على أن الأذان في المكتوبات على ما قد ذكرناه عنهم ، ولم يختلفوا أن ذلك واجب في المصر على جماعته .

4064 - واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبو ثور ، وأحمد ، وجماعة العلماء - على أن الرجل إذا صلى بإقامة في مصر قد أذن فيه فإنه يجزيه .

4065 - وجملة القول في الأذان أنه عند مالك وأصحابه سنة مؤكدة ، واجبة على الكفاية ، وليس بفرض ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . واختلف أصحاب الشافعي .

4066 - فمنهم من قال : هو فرض على الكفاية ، ومنهم من قال : هو سنة مؤكدة على الكفاية .

4067 - وهذا في القرى والأمصار التي فيها الجماعات .

4068 - وتحصيل مذهب مالك في الإقامة أنها سنة أيضا مؤكدة ، إلا أنها [ ص: 50 ] أوكد من الأذان عنده وعند أصحابه ، ومن تركها فهو مسيء ، وصلاته مجزية . وهو قول الشافعي وسائر الفقهاء فيمن ترك الإقامة ; أنه مسيء بتركها ، ولا إعادة عليه .

4069 - وقال أهل الظاهر ، والأوزاعي ، وعطاء ، ومجاهد : هي واجبة ، ويرون الإعادة على من تركها عامدا ، أو ناسيا .

4070 - وقد ذكرنا في التمهيد وجوه أقوالهم في ذلك ، وسنذكر في الباب بعد هذا أقوال العلماء في الأذان في السفر ووجوهه ، ونبينه بأبسط وأكمل من ذكرنا له هنا ، إن شاء الله .

4071 - وأما قوله : " أدبر الشيطان له ضراط " فهكذا رواه أبو الزناد ، عن الأعرج في نقل جماعة أصحاب أبي الزناد .

4072 - وقد روي فيه : " له حصاص " ، كذلك رواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .

4073 - حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا محمد بن غال ، حدثنا أمية بن بسطام ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا روح بن القاسم ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا هريرة يروي عن النبي - عليه السلام - قال : " إن الشيطان إذا نودي للصلاة ولى وله حصاص " ، الحديث .

4074 - لما يلحقه من الذعر والخزي عند ذكر الله في الأذان ، وذكر الله تفزع منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر ; لما فيه من الجهر بالذكر ، وتعظيم الله فيه ، [ ص: 51 ] وإقامة دينه ; فيدبر الشيطان ; لشدة ذلك على قلبه ، حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قضي النداء أقبل على طبعه وحيلته ; يوسوس في الصدور ، ويفعل ما يقدر مما قد سلط عليه ، حتى إذا ثوب بالصلاة - والتثويب هاهنا الإقامة - أدبر أيضا ، حتى إذا قضي التثويب - وهو الإقامة كما ذكرت لك - أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، فيوسوس في صدره ، ويشغله بذكر ما لا يحتاج إليه ; ليخلط عليه حتى لا يدري كم صلى . وقد زدنا هذا المعنى بيانا في التمهيد .

4075 - وفي هذا الحديث فضل للأذان عظيم ; ألا ترى أن الشيطان يدبر منه ، ولا يدبر من تلاوة القرآن في الصلاة ; بدليل قوله : " فإذا قضي التثويب أقبل " ؟ وحسبك بهذا فضلا لمن تدبر .

4076 - وروى سحنون ، والحارث بن مسكين ، عن ابن القاسم ، وابن وهب ، عن مالك ، قال : استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم ، وكان معدنا لا يزال يصاب فيه الناس من قبل الجن ، فلما وليهم شكوا ذلك إليه ; فأمرهم بالأذان ، وأن يرفعوا أصواتهم به ، ففعلوا ; فارتفع ذلك عنهم ، فهم عليه حتى اليوم .

4077 - قال مالك : وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم .

4078 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من رواية سفيان الثوري ، وجرير بن حازم ، عن سليمان الشيباني ، عن بشير بن عمرو ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : إن شيئا من الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه ، ولكن للجن سحرة كسحرة الإنس ، فإذا خشيتم شيئا من ذلك فأذنوا بالصلاة .

4079 - وفي رواية الثوري ، عن الشيباني ، عن بشير بن عمرو ، قال : ذكرت [ ص: 52 ] الغيلان عند عمر بن الخطاب ; فقال : إن شيئا من الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه ، وذكر تمام الخبر .

4080 - حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم ، حدثنا محمد ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : قال النبي ، عليه السلام : " إذا نادى المؤذن بالصلاة هرب الشيطان حتى يكون بالروحاء " . وهي ثلاثون ميلا من المدينة .

4081 - وأما لفظ التثويب فمأخوذ من ثاب الشيء يثوب : إذا رجع ، كأن المقيم للصلاة عاد إلى معنى الأذان ، فأتى به .

4082 - يقال ثوب الداعي : إذا كرر دعاءه للحرب .

4083 - قال حسان بن ثابت :

في فتية كسيوف الهند أوجههم لا ينكلون إذا ما ثوب الداعي

.

4084 - وقال حذيفة في معناه :

لخير نحن عند الناس منكم     إذا الداعي المثوب قال : يالا

.

4085 - ويقال : ثاب إلى الرجل عقله ، وثاب إلى المريض جسمه : أي عاد إلى حاله .

4086 - قال عبد المطلب بن هاشم وهو بالمدينة عن أخواله بني النجار : [ ص: 53 ] فحنت ناقتي فعلمت أني غريب حين ثاب إلي عقلي .

4087 - وقال الشاعر :

لو رأينا التأكيد خطة عجز     ما شفعنا الأذان بالتثويب

.

4088 - وأما قوله : " حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى " ; فإنه يريد : حتى يصير الرجل لا يدري كم صلى . والرواية في ( أن ) هاهنا عند أكثرهم بالفتح ; فيكون حينئذ بمعنى لا يدري .

4089 - وكذلك رواه جماعة الرواة عن مالك بهذا اللفظ : " حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى " بكسر الهمزة ; فمعناه : ما يدري ما صلى ، ( وإن ) بمعنى ( ما ) كثير .

4090 - وقيل : يظل هاهنا بمعنى : يبقى لا يدري كم صلى ، وأنشدوا :

ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا     أعد الحصى ما تنقضي عبراتي

.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث