الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه

ثم قال تعالى : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) وفي تفسير الحرج قولان : الأول : الحرج الضيق ، والمعنى : لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ .

والثاني : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) أي : شك [ ص: 15 ] منه ، كقوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) [يونس : 94] وسمي الشك حرجا ، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب .

ثم قال تعالى : ( لتنذر به ) هذه "اللام" بماذا تتعلق ؟

فيه أقوال :

الأول : قال الفراء : إنه متعلق بقوله : ( أنزل إليك ) على التقديم والتأخير ، والتقدير : كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه .

فإن قيل : فما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟

قلنا : لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر ، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ .

الثاني : قال ابن الأنباري : اللام ههنا بمعنى : كي . والتقدير : فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك .

الثالث : قال صاحب "النظم" : اللام ههنا : بمعنى : أن . والتقدير : لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع "أن" قال تعالى : ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ) [التوبة : 32] وفي موضع آخر ( يريدون ليطفئوا ) [الصف : 8] وهما بمعنى واحد .

والرابع : تقدير الكلام : إن هذا الكتاب أنزله الله عليك ، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى ، فاعلم أن عناية الله معك ، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج ، لأن من كان الله حافظا له وناصرا ، لم يخف أحدا ، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب ، فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال ، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والإبطال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث