الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه

جزء التالي صفحة
السابق

1348 حدثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق نصيبا أو قال شقصا في مملوك فخلاصه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال قوم قيمة عدل ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه قال وفي الباب عن عبد الله بن عمرو حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي عروبة نحوه وقال شقيصا قال أبو عيسى وهذا حديث حسن صحيح وهكذا روى أبان بن يزيد عن قتادة مثل رواية سعيد بن أبي عروبة وروى شعبة هذا الحديث عن قتادة ولم يذكر فيه أمر السعاية واختلف أهل العلم في السعاية فرأى بعض أهل العلم السعاية في هذا وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحق وقد قال بعض أهل العلم إذا كان العبد بين الرجلين فأعتق أحدهما نصيبه فإن كان له مال غرم نصيب صاحبه وعتق العبد من ماله وإن لم يكن له مال عتق من العبد ما عتق ولا يستسعى وقالوا بما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحق

التالي السابق


قوله : ( عن بشير بن نهيك ) بفتح الموحدة ، وكسر الشين المعجمة وبفتح النون ، وكسر الهاء وزنا واحدا هو أبو الشعثاء البصري ، ثقة .

قوله : ( فخلاصه في ماله إن كان له مال ) أي : يبلغ قيمة باقيه ، وفي رواية مسلم من أعتق شقصا في عبد عتق كله إن كان له مال ( وإن لم يكن له ) أي : للمعتق ( قوم ) بصيغة المجهول من التقويم ( قيمة عدل ) أي : تقويم عدل من المقومين ، أو المراد قيمة وسط ( يستسعى ) بصيغة المجهول ، قال النووي رحمه الله : معنى الاستسعاء أن العبد يكلف بالاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر فإذا دفعها إليه عتق ، كذا فسره الجمهور ، وقال بعضهم : هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق ( غير مشقوق عليه ) أي : لا يكلف بما يشق عليه . قوله : ( وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ) لينظر من أخرجه .

قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) أخرجه الجماعة إلا النسائي ، كذا في المنتقى . قوله : ( وهكذا روى أبان بن يزيد عن قتادة مثل رواية سعيد بن أبي عروبة نحوه ) يعني : بذكر الاستسعاء . قوله : ( فرأى بعض أهل العلم السعاية في هذا ، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق ) قال الحافظ في الفتح : وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسرا أبو حنيفة [ ص: 482 ] وصاحـبــاه والأوزاعي والثوري وإسحاق ، وأحمد في رواية ، وآخرون ، ثم اختلفوا فقال : الأكثر يعتق جميعه في الحال ويستسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك ، وزاد ابن أبي ليلى فقال : ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك ، وقال أبو حنيفة وحده : يتخير الشريك بين الاستسعاء وبين عتق نصيبه ، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط ، وهو موافق لما جنح إليه البخاري من أنه يصير كالمكاتب وعن عطاء يتخير الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرق ، وخالف الجميع زفر فقال : يعتق كله ، وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسرا ، وترتب في ذمته إن كان معسرا . انتهى . ( وقالوا بما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ) عنى حديثه المذكور في هذا الباب . ( وهذا قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي ، وأحمد وإسحاق ) قال في الحاشية الأحمدية : ليس في نسخة صحيحة ذكر إسحاق هاهنا ، وهو الأنسب بما سبق . انتهى ، واستدل لهم بحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ، وبأحاديث أخرى ذكرها الحافظ في الفتح ، وأجيب من قبلهم عن حديث أبي هريرة بأن ذكر الاستسعاء فيه مدرج ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأجيب من جانب الأولين عن حديث ابن عمر رضي الله عنه بأن الذي يدل فيه على ترك الاستسعاء هو قوله : وإلا فقد عتق منه ما عتق . هو مدرج ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الشوكاني في النيل : والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقا لصاحبي الصحيح ، ثم قال بعد ذكر مؤيدات لهاتين الزيادتين : فالواجب قبول الزيادتين المذكورتين في حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة ، وظاهرهما التعارض والجمع ممكن ، وقد جمع البيهقي بين الحديثين بأن معناهما : أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه ، بل تبقى حصة شريكه على حالها ، وهي الرق ، ثم يستسعى العبد في عتق بقيته ، فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب ، وهو الذي جزم به البخاري ، قاله الحافظ : والذي يظهر أنه في ذلك باختياره لقوله غير مشقوق عليه . فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له غاية المشقة ، وهي لا تلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور ؛ لأنها غير واجبة فهذه مثلها ، قال البيهقي : لا يبقى بين الحديثين بعد هذا الجمع معارضة أصلا ، قال الحافظ ، وهو كما قال إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم يختر العبد الاستسعاء ، فيعارضه حديث أبي المليح ، يعني : بحديثه الذي يرويه عن أبيه : أن رجلا من قومنا أعتق شقصا له من [ ص: 483 ] مملوكه فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله ، وقال ليس لله عز وجل شريك رواه أحمد ، وفي لفظ : هو حر كله ليس لله شريك ، رواه أحمد ولأبي داود معناه ، قال الحافظ : ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيا ، أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه . انتهى ، وفي هذه المسألة كلام طويل من الجانبين ، فإن شئت الوقوف عليه فعليك أن ترجع إلى فتح الباري ، وغيره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث