الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 116 ] ثم قال تعالى : ( سقناه لبلد ميت ) والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : السحاب إن كان مذكرا يجب أن يقول : حتى إذا أقلت سحابا ثقيلا ، وإن كان مؤنثا يجب أن يقول سقناه ؛ فكيف التوفيق ؟ !

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : أن السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة . فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزا ، نظرا إلى اللفظ ، وعلى سبيل التأنيث أيضا جائزا ، نظرا إلى كونه جمعا ، أما "اللام" في قوله : ( سقناه لبلد ) ففيه قولان : قال بعضهم : هذه "اللام" بمعنى إلى ، يقال : هديته للدين وإلى الدين . وقال آخرون : هذه "اللام" بمعنى من أجل ، والتقدير سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه حيا يسقيه . وأما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر ، خال أو مسكون ، فهو بلد ، والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة ، قال الأعشى :


                                                                                                                                                                                                                                            وبلدة مثل ظهر الترس موحشة للجن بالليل في حافاتها زجل



                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( فأنزلنا به الماء ) اختلفوا في أن الضمير في قوله ( به ) إلى ماذا يعود ؟ قال الزجاج وابن الأنباري : جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء ، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء ؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال : ( فأخرجنا به من كل الثمرات ) الكناية عائدة إلى الماء ؛ لأن إخراج الثمرات كان بالماء . قال الزجاج : وجائز أن يكون التقدير : فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات ؛ لأن البلد ليس يخص به هنا بلد دون بلد ، وعلى القول الأول ، فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء . وقال أكثر المتكلمين : إن الثمار غير متولدة من الماء ، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب . وقال جمهور الحكماء : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى أودع في الماء قوة طبيعية ، ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة .

                                                                                                                                                                                                                                            والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول ، بأن طبيعة الماء والتراب واحدة ، ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة مثل العنب فإن قشره بارد يابس ولحمه ، وماؤه حار رطب ، وعجمه بارد يابس ، فتولد الأجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب ، يدل على أنها إنما حدثت بإحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصة .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( كذلك نخرج الموتى ) وفيه قولان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المراد هو أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار ، فكذلك يحيي الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة . وروي أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطرا كالمني أربعين يوما ، وأنهم ينبتون عند ذلك ويصيرون أحياء . قال مجاهد : إذا أراد الله أن يبعثهم أمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر ، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها .

                                                                                                                                                                                                                                            والقول الثاني : أن التشبيه إنما وقع بأصل الإحياء بعد أن كان ميتا ، والمعنى : أنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه ، فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر ، فكذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا أمواتا ؛ لأن من يقدر على إحداث الجسم ، وخلق الرطوبة والطعم فيه ، فهو أيضا يكون قادرا على إحداث الحياة في بدن الميت ، والمقصود منه إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 117 ] واعلم أن الذاهبين إلى القول الأول إن اعتقدوا أنه لا يمكن بعث الأجساد إلا بأن يمطر على تلك الأجساد البالية مطرا على صفة المني ، فقد أبعد ، ولأن الذي يقدر على أن يحدث في ماء المطر الصفات التي باعتبارها صار المني منيا ابتداء ، فلم لا يقدر على خلق الحياة والجسم ابتداء ؟ وأيضا فهب أن ذلك المطر ينزل إلا أن أجزاء الأموات غير مختلطة ، فبعضها يكون بالمشرق ، وبعضها يكون بالمغرب ، فمن أين ينفع إنزال ذلك المطر في توليد تلك الأجساد ؟

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قالوا : إنه تعالى بقدرته وبحكمته يخرج تلك الأجزاء المتفرقة فلم لم يقولوا إنه بقدرته وحكمته يخلق الحياة في تلك الأجزاء ابتداء من غير واسطة ذلك المطر ؟ وإن اعتقدوا أنه تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء ، إلا أنه تعالى إنما يحييهم على هذا الوجه كما أنه قادر على خلق الأشخاص في الدنيا ابتداء ، إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من الأبوين فهذا جائز .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( لعلكم تذكرون ) والمعنى : إنكم لما شاهدتم أن هذه الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار ، ثم صارت عند الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة ، ثم إنه تعالى أحياها مرة أخرى ، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب كونه أيضا قادرا على إحياء الأجساد بعد موتها ، فقوله : ( لعلكم تذكرون ) المراد منه تذكر أنه لما لم يمتنع هذا المعنى في إحدى الصورتين وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية