الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين

وأما قوله : ( ونزع يده ) فالنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه ، فقوله : " نزع يده " أي أخرجها من جيبه أو من جناحه ، بدليل قوله تعالى : ( وأدخل يدك في جيبك ) [ النمل : 12 ] وقوله : ( واضمم يدك ) [ ص: 160 ] ( إلى جناحك ) [ طه : 22 ] وقوله : ( فإذا هي بيضاء للناظرين ) قال ابن عباس : وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض .

واعلم أنه لما كان البياض كالعيب بين الله تعالى في غير هذه الآية أنه كان من غير سوء .

فإن قيل : بم يتعلق قوله : ( للناظرين ) .

قلنا : يتعلق بقوله : ( بيضاء ) والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب . وبقي ههنا مباحث :

فأولها : أن انقلاب العصا ثعبانا من كم وجه يدل على المعجز ؟ .

والثاني : أن هذا المعجز كان أعظم أم اليد البيضاء ؟ وقد استقصينا الكلام في هذين المطلوبين في سورة طه .

والثالث : أن المعجز الواحد كان كافيا ، فالجمع بينهما كان عبثا .

وجوابه : أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ، ومن الملحدين من قال : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد ، وهو أن حجة موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة ، فتلك الحجة من حيث إنها أبطلت أقوال المخالفين ، وأظهرت فسادها ، كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ، ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء ، كما يقال في العرف : لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني ، أي قوة كاملة ، ومرتبة ظاهرة .

واعلم أن حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله . ولما بينا أن انقلاب العصا حية أمر ممكن في نفسه ، فأي حامل يحملنا على المصير إلى هذا التأويل ؟ ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه السلام أظهر هذين النوعين من المعجزات . حكي عن قوم فرعون أنهم قالوا : ( إن هذا لساحر عليم ) وذلك لأن السحر كان غالبا في ذلك الزمان ، ولا شك أن مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة ، ولا شك أنه يحصل فيهم من يكون غاية في ذلك العلم ونهاية فيه . فالقوم زعموا أن موسى عليه السلام لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة ، ثم ذكروا أنه إنما أتى بذلك السحر لكونه طالبا للملك والرياسة .

فإن قيل : قوله : ( إن هذا لساحر عليم ) حكاه الله تعالى في سورة الشعراء أنه قاله فرعون لقومه ، وحكى ههنا أن قوم فرعون قالوه ، فكيف الجمع بينهما ؟ وجوابه من وجهين :

الأول : لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم ، فحكى الله تعالى قوله ثم وقولهم ههنا .

والثاني : لعل فرعون قاله ابتداء فتلقته الملأ منه ، فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على طريق التبليغ ، فإن الملوك إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة ، فكذا ههنا .

وأما قوله : ( فماذا تأمرون ) فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه :

الأول : أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله : ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيبا لهم : ( فماذا تأمرون ) واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين :

أحدهما : أن قوله : ( فماذا تأمرون ) خطاب للجمع لا للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم ، أما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع .

وأجيب عنه : بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه ؛ لأن العظيم إنما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر ) [ الحجر : 9 ] ( إنا أرسلنا نوحا ) [ نوح : 1 ] [ ص: 161 ] ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) [ القدر : 1 ] .

والحجة الثانية : أنه تعالى لما ذكر قوله : ( فماذا تأمرون ) قال بعده : ( قالوا أرجه ) ولا شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جوابا عن قولهم : ( فماذا تأمرون ) فوجب أن يكون القائل لقوله : ( فماذا تأمرون ) غير الذي قالوا : أرجه ، وذلك يدل على أن قوله : ( فماذا تأمرون ) كلام لغير الملأ من قوم فرعون .

وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا : ( إن هذا لساحر عليم ) ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه ( فماذا تأمرون ) ثم أتبعوه بقولهم : ( أرجه وأخاه ) فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة .

والقول الثاني : أن قوله : ( فماذا تأمرون ) من بقية كلام القوم ، واحتجوا عليه بوجهين :

الأول : أنه منسوق على كلام القوم من غير فاصل ، فوجب أن يكون ذلك من بقية كلامهم .

والثاني : أن الرتبة معتبرة في الأمر ، فوجب أن يكون قوله : ( فماذا تأمرون ) خطابا من الأدنى مع الأعلى ، وذلك يوجب أن يكون هذا من بقية كلام فرعون معه .

وأجيب عن هذا الثاني بأن الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من رهطه ورعيته : ماذا تأمرون ؟ ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في صدورهم وأن يظهر من نفسه كونه معظما لهم ومعتقدا فيهم ، ثم إن القائلين بأن هذا من بقية كلام قوم فرعون ذكروا وجهين :

أحدهما : أن المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وحده ، فإنه يقال للرئيس المطاع : ما ترون في هذه الواقعة ؛ أي ما ترى أنت وحدك ، والمقصود أنك وحدك قائم مقام الجماعة ، والغرض منه التنبيه على كماله ورفعة شأنه وحاله .

والثاني : أن يكون المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته ؛ لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهي ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث