الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1288 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد ، أو يدعو لأحد ; قنت بعد الركوع ، فربما قال إذا قال : " سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها سنين كسني يوسف " ، يجهر بذلك . وكان يقول في بعض صلاته : " اللهم العن فلانا وفلانا " ، لأحياء من العرب ، حتى أنزل الله : ( ليس لك من الأمر شيء ) الآية . متفق عليه .

التالي السابق


[ 36 ] باب القنوت

قال ابن الملك : هو في الأصل الطاعة ، ثم سمي طول القيام في الصلاة قنوتا وهو المراد هنا اهـ . والظاهر أن المراد بالقنوت هنا الدعاء ، وهو أحد معاني القنوت كما في النهاية وغيره ، وكذا نقل الأبهري عن زين العرب .

الفصل الأول

1288 - ( عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد ) ، أي : لضرره ( أو يدعو لأحد ) ، أي : لنفعه ( قنت ) : وهو يحتمل التخصيص بالصبح أو تعميم الصلوات وهو الأظهر ، قال ابن حجر : أخذ منه الشافعي أنه يسن القنوت في أخيرة سائر المكتوبات للنازلة التي تنزل بالمسلمين عامة ، كوباء وقحط وطاعون ، وخاصة ببعضهم كأسر العالم أو الشجاع ممن تعدى نفعه ، وقول الطحاوي لم يقل به فيها غير الشافعي غلط منه ، بل قنت علي رضي الله عنه في المغرب بصفين اهـ . ونسبة هذا القول إلى الطحاوي على هذا المنوال غلط ; إذ أطبق علماؤنا على جواز القنوت عند النازلة . ( بعد الركوع ) : قال البيهقي : صح أنه - عليه الصلاة والسلام - قنت قبل الركوع ، لكن رواة القنوت بعده أكثر وأحفظ ، فهو أولى ، وعليه درج الفقهاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم وأكثرها ، قال ابن حجر : وقول الباقلاني : يمتنع على المجتهد عند تعارض الأدلة الترجيح بظني ككثرة الرواة أو الأدلة ، أو كثرة أوصافهم بخلاف القطعي كتقديم النص على القياس اختيار له ، قلت : بل هو المختار عند الخيار ، كما صرح به ابن الهمام ، وسماه المذهب المنصور . ( فربما قال ) ، أي النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا قال ) : وأبعد ابن حجر حيث قال ، أي قال أبو هريرة في روايته : إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد . اللهم أنج ) : أمر من الإنجاء ، أي خلص ( الوليد بن الوليد ) : هو أخو خالد ، أسر يوم بدر كافرا ، فلما فدي أسلم فقيل له : هلا أسلمت قبل أن تفتدي ؟ فقال : كرهت أن يظن بي أني إنما أسلمت جزعا ، فحبس بمكة ثم أفلت من أسرهم بدعائه - عليه الصلاة والسلام - ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم . ( وسلمة بن هشام ) : بفتح اللام ، وهو أخو أبي جهل ، أسلم قديما ، وعذب في الله ، ومنع من الهجرة إلى المدينة . ( وعياش ) : بفتح العين المهملة وتشديد التحتية ( ابن أبي ربيعة ) : وهو أخو أبي جهل لأمه ، أسلم قديما فأوثقه أبو جهل بمكة ، وهؤلاء الثلاثة جدهم المغيرة ، وهم أسباط كل واحد ابن عم الآخر ، دعا لهم صلى الله عليه وسلم بالنجاة من أسر كفار مكة وقهرهم . ( اللهم اشدد وطأتك ) : بفتح الواو وسكون الطاء ، أي : شدتك وعقوبتك ( على مضر ) ، أي كفارهم ، قال الطيبي : الوطء في الأصل الدوس بالقدم ، فسمي به الغزو والقتل ; لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في إهلاكه وإماتته ، والمعنى خذهم أخذا شديدا ( واجعلها ) ، أي وطأتك ( سنين ) : جمع سنة وهو القحط ، أي : اجعل عذابك عليهم بأن تسلط عليهم قحطا عظيما سبع سنين أو أكثر ، ( كسني يوسف ) ، أي كسني أيام يوسف - عليه الصلاة والسلام - من القحط العام في سبعة أعوام ، قال الطيبي : الضمير في واجعلها إما للوطأة وإما للأيام التي يستمرون فيها على كفرهم ، وإن لم يجر لها ذكر لما يدل عليه المفعول الثاني ، وهو ( سنين ) جمع سنة بمعنى القحط ، وهي من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا ، وسني يوسف هي السبع الشداد التي أصابهم فيها القحط . ( يجهر بذلك ) ، أي بالدعاء المذكور ، قال الخطابي : فيه دليل على جواز القنوت في غير الوتر .

قلت : لكن يقيد بما إذا نزلت نازلة وحينئذ لا خلاف فيه ، قال : وعلى أن الدعاء لقوم بأسمائهم لا يقطع الصلاة ، وأن الدعاء على الكفار والظلمة لا يفسدها ، قال الإمام النووي : القنوت مسنون في صلاة الصبح دائما ، وأما في غيرها ففيه ثلاثة أقوال ، والصحيح المشهور أنه إذا نزلت نازلة كعدو أو قحط أو وباء أو عطش أو ضرر [ ص: 959 ] ظاهر في المسلمين ، ونحو ذلك قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة ، وإلا فلا . ذكره الطيبي ، وفيه أن مسنونيته في الصبح غير مستفادة من هذا الحديث .

( وكان يقول بعض صلاته ) : وهو يحتمل أن يكون في الصبح أو في الوتر أو في غيرها بعد الركوع وقبله ولو قبل السلام : ( اللهم العن فلانا وفلانا " ، لأحياء ) ، أي : لقبائل جمع حي بمعنى القبيلة ( من العرب ) ، أي : أبعدهم واطردهم عن رحمتك ، وهذا يستلزم الدعاء بالإماتة على الكفر ، وفي شرح ابن حجر فإن قلت : قوله فلانا يقتضي أنه ذكرهم بأعلامهم ، وقوله : لأحياء من العرب يقتضي أنه ذكرهم بذكر قبائلهم ، ويؤيد هذا الثاني قوله في الرواية الآتية : على أحياء من بني سليم على رعل إلخ . قلت : لا مانع من أنه ذكر أعلاما خاصة في قبائلهم العامة ، أو أنه أراد ب ( فلانا وفلانا ) القبائل نفسها بدليل قوله : لأحياء المتعلق بمحذوف ، أي : قال ذلك لأحياء ، أي : عنهم اهـ .

والصواب أنه متعلق ب ( يقول ) ، سواء أريد بهم الخاص أو العام ، ( حتى أنزل الله تعالى ) : كما في نسخة ، وقول ابن حجر : ثم استمر ذلك منه حتى أنزل الله مستغنى عنه لصحة تعلق حتى بقوله ، وكان يقول الدال على الاستمرار ( ليس لك من الأمر شيء ) ، أي : شيء من أمر هداية الخلق بمعنى توفيقهم ، ومن إهلاك الأعداء وإماتتهم على الكفر إنما أمرهم إلى الله وحده ، فإما أن يتوب عليهم بتوفيقهم للإسلام ، أو يعذبهم بإماتتهم على الكفر وتسليطك عليهم . ( الآية ) : بتثليثها وتمامها ، ( أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) أو بمعنى إلى أن ، أي اصبر على ما يصيبك إلى أن يتوب عليهم أو يعذبهم ، وليكن رضاك موافقا لأمر الله وتقديره ، ولا تقل ولا تفعل شيئا باختيارك ، كذا في المفاتيح . ( متفق عليه ) : ورواه الأربعة ، واللفظ للبخاري ، قاله ميرك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث