الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون

جزء التالي صفحة
السابق

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يحاسبها إلا على ما كلفها ، والتكليف : هو الإلزام بما فيه كلفة ، والوسع: ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر ، وقال بعضهم : هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها ، وهو ما دون مدى طاقته ، والمعنى أن شأنه - تعالى - وسنته في شرع الدين ألا يكلف عباده ما لا يطيقون . قال المفسرون : إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق لا على عدم جوازه . ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته - تعالى - في التكليف ، وستأتي تتمة هذا البحث قريبا . وإذا كان هذا التكليف لم يقع كما قالوا ، امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها ؛ لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع كما تقدم ، ولا لقوله - تعالى - : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته [ 3 : 102 ] كما قيل .

وفي الجملة وجهان قيل : هي ابتداء خبر من الله - تعالى - كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه [ ص: 121 ] من التقصير وتيسير ما قد يشم من الآية السابقة من التعسير ، وقيل : إنها داخلة في قول المؤمنين ، فهم بعد سؤال الغفران قد أذنوا بأن يصغوا لله - تعالى - بهذا النوع من الرأفة بعباده ، والحكمة في سياستهم .

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت قيل : إن الكسب والاكتساب واحد في اللغة نقل عن الواحدي . وقيل : إن الاكتساب أخص ، واختلفوا في توجيهه ، واختار الأستاذ الإمام في الدرس ما قاله الزمخشري ، وقال : إنه الصواب ، وهو أن الفرق بينهما كالفرق بين عمل واعتمل ، فكل من اكتسب واعتمل يفيد الاختراع والتكلف ، فالآية تشير أو تدل على أن فطرة الإنسان مجبولة على الخير ، وأنه يتعود الشر بالتكلف والتأسي . والمعنى : أن لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها عقاب ما اكتسبت من الشر ، وقد اختلف الناس في الإنسان هل هو خير بالطبع أو شرير بالطبع ؟ وإلى أي الأمرين أميل بفطرته مع صرف النظر عما يتفق له في تربيته ، المسألة مشهورة ، وقد قال الأستاذ الإمام : لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان ، والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس . وجماع ذلك كله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما ورد في الحديث والإنسان يفعل الخير بطبعه ، وتكون فيه لذته ، ويميل إلى عبادة الله - تعالى - ؛ لأن شكر المنعم مغروس في الطبع ، ويظهر أثره في كل إنسان ، وأقله البشاشة والارتياح للمنعم ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف في فعل الخير ؛ لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا ، وأما البشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا مقتضى فطرتها ، ومهما كان الإنسان شريرا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت في نظر الناس وصاحبه مهين عندهم ، فإن الطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس فيتعلمه ، وإذا رأى إعجاب الناس بكلام من يصف شيئا يزيد فيه ويبالغ كاذبا استحب الكذب وافتراه لينال الحظوة عند الناس ، ويحظى بإعجابهم وهو مع ذلك لا ينفك يشعر بقبحه حتى إذا نبز أمامه أحد بلقب الكاذب أو الكذاب أحس بمهانة نفسه وخزيها ، وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفا يقول له : لا تفعل ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر ، ومن النادر أن يصير الإنسان شرا محضا - يريد أنه قلما يألف أحد الشر وينطبع به حتى يكون طبعا له لا تشعر نفسه بقبحه عند الشروع فيه ولا في أثنائه ولا بعد الفراغ منه ، حتى إنه قال : إنه لا يوجد في المليون من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه ، والذين ذهبوا إلى أن الإنسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومناشئ العمل من الفطرة ، ذلك أن الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها [ ص: 122 ] ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق ، وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخير لنفسه خاصة ويلجئه الظلم إلى الظلم فيأتيه متعلما إياه تعلما متكلفا له تكلفا ، وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له : لا تفعل ، وهو النبراس الإلهي الذي لا ينطفئ ، فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير ، ولا يميل إلا إليه ، وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يخف عليه أنه ليس من أصل الفطرة ، وإنما هو من الطوارئ التي تعرض عليها لا سيما من ينشأ بين قوم فسدت فطرتهم ، وأشد ما يضر الإنسان في ذلك نظره إلى حال غيره ; ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شئون الدنيا إلى من هو دوننا وهذا الأمر خاص بالأفراد بعضهم مع بعض ، فإن نظر الواحد إلى من دونه يجعله راضيا بما أوتيه من النعم بعيدا عن الحسد الذي هو منبع الشرور ، وأما الأمم فينبغي أن ننظر في حال من فوقنا منها لأجل مباراتها ومساماتها .

هذا ما قاله الإمام في هذه المسألة بإيضاح ، ومنه يعلم قوله - تعالى - في الخير : كسبت وفي الشر اكتسبت وكان - رحمه الله تعالى - يرى أن أحق ما يتعجب له من حال الإنسان كثرة عمل الشر وقلة عمل الخير ، ويعلل ذلك بأن عمل الخير سهل وعاقبته حميدة ، وعمل الشر عسر ومغبته ذميمة ، ولا عجب في تعجبه ، فقد كان مجبولا من طينة الخير ، سليم الفطرة من عوارض الشر ، حتى لم تؤثر في نفسه الزكية الشرور التي كانت تحيط به من أول نشأته إلى يوم وفاته قدس الله روحه ورضي عنه . والمسألة تحتاج إلى زيادة في البسط لكثرة اشتباه الناس فيها ، ولشدة ما عارضنا في تقريرها الطلاب في الدرس ، والباحثون في المحاضرات ، ولئن سألتهم ما هو الشر الفطري في البشر ؟ ليقولن : حب الشهوات والغضب وما ينشأ عنهما من الأعمال والأخلاق ، ولولا هاتان الغريزتان لما جلب أحد لنفسه ولا لغيره نفعا ، ولما دفع ضرا ، ولما ظهر من أعمال الإنسان ما نرى من أسرار الطبيعة ومحاسن الخليقة ، بل لولاهما لبادت الأفراد وانقرض النوع من الأرض ، وفي الفطرة والدين والمرشد إلى كمالها ما يكفي لإقامة الميزان القسط فيهما غالبا ، حتى لا يغلب في الأمة تفريط ولا إفراط ، ويكون الخير أصلا عاما ، والشر عرضا مفارقا ، والأصل الذي لا ينازع فيه أحد أن الإنسان قد جبل على ألا يعمل عملا إلا إذا اعتقد أنه نافع ، وأن فعله خير له من تركه ، وذلك شأنه في الترك أيضا ، وأن هداياته الأربع : الحس والوجدان والعقل والدين كافية لأن يعتقد أن كل خير نافع ، وكل شر ضار ، فإذا قصر في الاهتداء بهذه الهدايات فوقع في الشر كان وقوعه فيه أثرا لتنكب طريق الفطرة لا للسير على جادتها ، وأكثر أعمال الناس نافعة لهم غير ضارة بغيرهم ، ومن التفصيل في المسألة ما تقدم في كذب الأطفال ، ومنه ما سئلنا عنه في الدرس ومجالس البحث من الميل إلى الزنا مثلا ، وأجبنا بأن الإنسان لا يميل بفطرته إلى الزنا ، وإنما يميل إلى الوقاع ، وهذا من الخير وأصول الكمال في الفطرة ، وإنما الزنا وضع له في غير [ ص: 123 ] موضعه ، وذلك من العوارض الطارئة التي تكثر بترك مقومات الفطرة وحوافظها من نذر الدين وقضايا العقل وآداب الاجتماع ، ولقد كنت قبل الوقوف على أحوال الناس - لا سيما في بلاد مصر - أظن أن الزنا لا يكاد يقع إلا نادرا من بعض أفراد الجاهلين ، وهذا ما يعتقده كل من ينشأ في بيئة تغلب فيها العفة ، ولم يعرف حال غيرها ولا أخبار الشاذين فيها ، ولو كان فطريا لشعر كل أحد من نفسه بالحاجة إليه ، كما يشعر بأنه في حاجة إلى زوج يتحد به ، ولعل ما أوردناه كاف للمتدبر ، ولا يتسع التفسير لأكثر منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث