الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقدموا لأنفسكم واتقوا الله

وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين عطف على جملة فأتوا حرثكم ، أو على جملة إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين . عطف الإنشاء على الخبر ، على أن الجملة المعطوف عليها وإن كانت خبرا فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر; فكرر ذلك اهتماما بالحرص على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة . وحذف مفعول قدموا اختصارا لظهوره ; لأن التقديم هنا إعداد الحسنات فإنها بمنزلة الثقل الذي يقدمه المسافر .

وقوله لأنفسكم متعلق بـ ( قدموا ) ، واللام للعلة أي لأجل أنفسكم أي لنفعها ، وقوله واتقوا الله تحريض على امتثال الشرع بتجنب المخالفة ، فيدخل تحته التخلي عن السيئات والتحلي بالواجبات والقربات ، فمضمونها أعم من مضمون جملة وقدموا لأنفسكم فلذلك كانت هذه تذييلا .

[ ص: 375 ] وقوله واعلموا أنكم ملاقوه يجمع التحذير والترغيب ، أي فلاقوه بما يرضى به عنكم كقوله : ووجد الله عنده ، وهو عطف على قوله واتقوا الله .

والملاقاة : مفاعلة من اللقاء وهو الحضور لدى الغير بقصد أو مصادفة . وأصل مادة لقي تقتضي الوقوع بين شيئين فكانت مفيدة معنى المفاعلة بمجردها ، فلذلك كان لقي ولاقى بمعنى واحد ، وإنما أمرهم الله بعلم أنهم ملاقوه مع أن المسلمين يعلمون ذلك تنزيلا لعلمهم منزلة العدم في هذا الشأن ، ليزاد من تعليمهم اهتماما بهذا المعلوم وتنافسا فيه على أننا رأينا أن في افتتاح الجملة بكلمة : " اعلموا " اهتماما بالخبر واستنصاتا له وهي نقطة عظيمة سيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه في سورة الأنفال .

وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج; فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولا ثم يعقبه الأمر بالتقوى ، ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم ، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء ، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعارا بأنها هي الاستعداد ، ثم ذكروا بأنهم ملاقو الله فجاء ذلك بمنزلة التعليل .

وقوله وبشر المؤمنين تعقيب للتحذير بالبشارة ، والمراد : المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، وذكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان ، وجملة : وبشر المؤمنين ، معطوفة على جملة : واعلموا أنكم ملاقوه ، على الأظهر من جعل جملة : نساؤكم حرث لكم ، استئنافا غير معمولة لـ قل هو أذى ، وإذا جعلت جملة ( نساؤكم ) من معمول القول كانت جملة ( وبشر ) معطوفة على جملة قل هو أذى ; إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث