الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة

جزء التالي صفحة
السابق

15 - ( وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه } رواه الجماعة ، وهذا لفظ البخاري ، ولفظ الترمذي : " ثم يتوضأ منه " ، ولفظ الباقين : " ثم يغتسل منه " ) .

التالي السابق


قوله : ( الدائم ) تقدم تفسيره . قوله : ( الذي لا يجري ) قيل : هو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه وقد احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك . وقيل : احترز به عن الماء الراكد لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى ، ولهذا لم يذكر البخاري هذا القيد حيث جاء بلفظ : الراكد بدل الدائم . وكذلك مسلم في حديث جابر ، وقال ابن الأنباري : الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر . وعلى هذا يكون قوله : لا يجري . صفة مخصصة لأحد معنى المشترك . وقيل : الدائم والراكد مقابلان للجاري ، لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له .

قوله : ( ثم يغتسل فيه ) ضبطه النووي في شرح مسلم بضم اللام ، قال في الفتح : وهو المشهور . قال النووي أيضا : وذكر [ ص: 49 ] شيخنا أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على موضع يبولن ثم نصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع ، فأما الجزم فلا مخالفة بينه وبين الأحاديث الدالة على أنه يحرم البول في الماء الدائم على انفراده ، والغسل على انفراده كما تقدم في باب بيان زوال تطهيره لدلالته على تساوي الأمرين في النهي عنهما .

وأما النصب فقال النووي : لا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد ، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم لا ، وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب ، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر ، وتعقبه ابن هشام في المغني فقال : إنه وهم ، وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية قال : وأيضا ما أورده إنما جاء من قبيل المفهوم لا المنطوق ، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته ونظيره إجازة الزجاج والزمخشري ، في قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق } كون تكتموا مجزوما وكونه منصوبا مع أن النصب معناه النهي ا هـ .

وقد اعترض الجزم القرطبي بما حاصله أنه لو أراد النهي عنه لقال : ثم يغتسلن بالتأكيد وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في أحدهما ليس في الآخر ا هـ . والحاصل أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ذكر للبول كحديث أبي هريرة المتقدم في باب بيان زوال تطهير الماء ، وورد النهي عن مجرد البول من دون ذكر للغسل كما في صحيح مسلم { أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد } والنهي عن كل واحد منهما على انفراد يستلزم النهي عن فعلهما جميعا بالأولى .

وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث الباب إن صحت رواية النصب ، والنهي عن كل واحد منهما في حديث عند أبي داود ، ويدل عليه حديث الباب على رواية الجزم ، وأما على رواية الرفع فقال القرطبي : إنه نبه بذلك على مآل الحال ، ومثله بقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها } أي ثم هو يضاجعها والمراد النهي عن الضرب لأن الزوج يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها فيكون المراد ههنا النهي عن البول في الماء لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى التطهر به فيمتنع ذلك للنجاسة .

قال النووي : وهذا النهي في بعض المياه للتحريم ، وفي بعضها للكراهة فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه ولكن الأولى اجتنابه ، وإن كان قليلا جاريا فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي : يكره . والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه ; ولأن النهي يقتضي التحريم عند المحققين والأكثرين من أهل الأصول ، وهكذا إذا كان كثيرا راكدا أو قليلا ، لذلك قال : وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم : يكره الاغتسال في الماء [ ص: 50 ] الراكد قليلا كان أو كثيرا ، وكذا يكره الاغتسال في العين . الجارية ، قال : وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم انتهى . وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن التحريم ، ولا فرق في تحريم البول في الماء بين أن يقع البول فيه أو في إناء ثم يصب إليه خلافا للظاهرية ، والتغوط كالبول وأقبح ، ولم يخالف في ذلك أحد إلا ما حكي عن داود الظاهري .

قال النووي : وهو خلاف الإجماع ، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر . وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى وأورد للفقهاء الأربعة من هذا الجنس الذي أنكره أتباعهم على داود شيئا واسعا . واعلم أنه لا بد من إخراج هذا الحديث عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة ، وحملته الشافعية على ما دون القلتين لأنهم يقولون : إن قدر القلتين فما فوقهما لا ينجس إلا بالتغير .

وقيل : حديث القلتين عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي ، ورد بأن المعنى المقتضي للنهي هو عدم التقرب إلى الله بالمتنجس ، وهذا المعنى يستوي فيه سائر النجاسات ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى . قوله : ( ثم يتوضأ منه ) فيه دليل على أن النهي لا يختص بالغسل بل الوضوء في معناه ، ولو لم يرد هذا لكان معلوما لاستواء الوضوء والغسل في المعنى المقتضي للنهي كما تقدم . قوله : ( ثم يغتسل منه ) هذا اللفظ ثابت أيضا في البخاري من طريق أبي الزناد ، وللبخاري ومسلم من طريق أخرى ، " ثم يغتسل فيه " قال ابن دقيق العيد : وكل واحد من اللفظين يفيد حكما بالنص وحكما بالاستنباط ا هـ .

وذلك لأن الرواية بلفظ فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط ، والرواية بلفظ منه بعكس ذلك . وقد استدل بهذا الحديث أيضا على نجاسة المستعمل وعلى أنه طاهر مسلوب الطهورية ، وقد تقدم الكلام على البحثين .

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ومن ذهب إلى خبر القلتين حمل هذا الخبر على ما دونهما ، وخبر بئر بضاعة على ما بلغهما جمعا بين الكل ا هـ . وقد تقدم تحقيق ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث