الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يدخل في عموم " كل " إلا المخلوقات

وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : فتبارك الله أحسن الخالقين [ المؤمنون : 14 ] ، فمعنى الآية : أحسن المصورين المقدرين . والخلق يذكر ويراد به التقدير ، وهو المراد هنا ، بدليل قوله تعالى : الله خالق كل شيء [ الرعد : 16 ] و [ الزمر : 62 ] أي الله خالق كل شيء مخلوق ، فدخلت أفعال العباد في عموم : ( كل ) . وما أفسد قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم : ( كل ) ، الذي هو صفة من صفاته ، يستحيل عليه أن يكون مخلوقا ! وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم : ( كل ) ! ! وهل يدخل في عموم : ( كل ) إلا ما هو مخلوق ؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم ، ودخل سائر المخلوقات في عمومها . وكذا قوله تعالى : والله خلقكم وما تعملون [ الصافات : 96 ] . ولا نقول لأن : " ما " مصدرية ، أي : [ ص: 644 ] خلقكم وعملكم - إذ سياق الآية يأباه ، لأن إبراهيم عليه السلام إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت ، لا النحت ، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى ، وهو ما صار منحوتا إلا بفعلهم ، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا لله تعالى ، ولو لم يكن النحت مخلوقا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له ، بل الخشب أو الحجر لا غير . وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة : أن العلم بأن العبد يحدث فعله - ضروري . وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عند عدمه - ضروري ، وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري ، ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة - غير مسلم ، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري ، وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق . فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى ، كما قال تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها [ الشمس : 7 - 8 ] . فقوله : " فألهمها فجورها وتقواها إثبات للقدر بقوله : فألهمها وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية . وقوله بعد ذلك : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [ الشمس : 9 - 10 ] - إثبات أيضا لفعل العبد ، ونظائر ذلك كثيرة .

[ ص: 645 ] وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم ، بل مزقتهم كل ممزق ، وهي : أنهم قالوا ؟ كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم ؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم ؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس ، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته ، وعنه تفرقت بهم الطرق : فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله تعالى ، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل ، وسدت باب السؤال . وطائفة أثبتت كسبا لا يعقل ! جعلت الثواب [ والعقاب ] عليه . وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرين ، ومفعول بين فاعلين ! وطائفة التزمت الجبر ، وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه ! وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف .

والجواب الصحيح عنه ، أن يقال : إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية ، وإن كانت خلقا لله تعالى ، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها ، فالذنب يكسب الذنب ، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها . فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا .

يبقى أن يقال : فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب ؟ يقال : هو عقوبة أيضا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه ، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له ، وفطره على محبته ، [ ص: 646 ] وتألهه والإنابة إليه ، كما قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها [ الروم : 30 ] . فإن لم يفعل ما خلق له وفطر عليه ، من محبة الله وعبوديته ، والإنابة إليه - عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي ، فإنه صادف قلبا خاليا قابلا للخير والشر ، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر ، كما قال تعالى : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [ يوسف : 24 ] . وقال إبليس : فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ ص : 82 - 83 ] . وقال الله عز وجل : هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [ الحجر : 41 - 42 ] . والإخلاص : خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته ، فخلص لله ، فلم يتمكن منه الشيطان . وأما إذا صادفه فارغا من ذلك ، تمكن منه بحسب فراغه ، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص . وهي محض العدل .

فإن قلت : فذلك العدم من خلقه فيه ؟ قيل : هذا سؤال فاسد ، فإن العدم كاسمه ، لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به ، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل ، بل هو شر محض ، والشر ليس إلى الله سبحانه ، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث الاستفتاح : لبيك وسعديك ، والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك . وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة ، حين يقول له الله : [ ص: 647 ] يا محمد ، فيقول : لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك .

وقد أخبر الله تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ، فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه - عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم ، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص . فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته ، وإلهام الفجور عقوبة على خلوه من الإخلاص .

فإن قلت : إن كان هذا الترك أمرا وجوديا عاد السؤال جذعا ، وإن كان أمرا عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض ؟

قيل : ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه ، فهذا قد يقال : إنه أمر وجودي ، وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير ، وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها ، والعقوبة على الأمر [ ص: 648 ] العدمي هي بفعل السيئات ، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل . فلله فيه عقوبتان :

إحداهما : جعله مذنبا خاطئا ، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على الله ، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها ، لموافقتها شهوته وإرادته ، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات .

والثانية : العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات . وقد قرن الله تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء [ الأنعام : 44 ] . فهذه العقوبة الأولى ، ثم قال : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة [ الأنعام : 44 ] فهذه العقوبة الثانية .

فإن قيل : فهل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده - من غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له منيبين له محبين له ؟ أم ذلك محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها ؟ قيل : لا ، بل هو محض منته وفضله ، وهو من أعظم الخير الذي هو بيده ، والخير كله في يديه ، ولا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه ، ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه .

فإن قيل : فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له ، ولا سبيل لهم إليه بأنفسهم ، عاد السؤال ؟ وكان منعهم منه ظلما ، ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف المالك في ملكه بما يشاء ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

قيل : لا يكون سبحانه بمنعهم من ذلك ظالما ، وإنما يكون المانع ظالما إذا منع غيره حقا لذلك الغير عليه ، وهذا هو الذي حرمه الرب [ ص: 649 ] على نفسه ، وأوجب على نفسه خلافه . وأما إذا منع غيره ما ليس بحق له ، بل هو محض فضله ومنته عليه - لم يكن ظالما بمنعه ، فمنع الحق ظلم ، ومنع الفضل والإحسان عدل . وهو سبحانه العدل في منعه ، كما هو المحسن المنان بعطائه .

فإن قيل : فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانا ورحمة ، فهلا كان العمل له والغلبة ، كما أن رحمته تغلب غضبه ؟

قيل : المقصود في هذا المقام بيان أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع ، والمنع المستلزم للعقوبة - ليس بظلم ، بل هو محض العدل .

وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض المحال ؟ وهلا سوى بين العباد في الفضل ؟ وهذا السؤال حاصله : لم تفضل على هذا ولم يتفضل على الآخر ؟ وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [ الحديد : 21 ] . وقوله : لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [ الحديد : 29 ] . ولما سأله اليهود والنصارى عن تخصيص هذه الأمة بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا ، قال : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء وليس في الحكمة إطلاع كل فرد من أفراد الناس على [ ص: 650 ] كمال حكمته في عطائه ومنعه ، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد ، حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه ، وأمره وثوابه وعقابه ، وتخصيصه وحرمانه ، وتأمل أحوال محال ذلك ، استدل بما علمه على ما لم يعلمه .

ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص ، قالوا : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا قال تعالى مجيبا لهم : أليس الله بأعلم بالشاكرين [ الأنعام : 53 ] . فتأمل هذا الجواب ، تر في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر ، من المحل الذي لا يصلح لغرسها ، فلو غرست فيه لم تثمر ، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة ، كما قال تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته [ الأنعام : 124 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث