الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الركعتان بعد العصر

جزء التالي صفحة
السابق

وبما رواه أيضا من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الرحمن بن أبي سفيان أن معاوية أرسل إلى عائشة يسألها عن [ ص: 33 ] السجدتين بعد العصر ؟ فقالت : ليس عندي صلاهما لكن أم سلمة حدثتني أنه صلاهما عندها ؟ فأرسل إلى أم سلمة ؟ فقالت : { صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ، لم أره صلاهما قبل ولا بعد ؟ قال : هما سجدتان كنت أصليهما بعد الظهر فقدم علي قلائص من الصدقة فنسيتهما حتى صليت العصر ; ثم ذكرتهما ، فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس يروني فصليتهما عندك } ؟ وذكروا الأخبار التي وردت في النهي عن الصلاة بعد العصر ; وسنذكرها إن شاء الله بعد هذه المسألة - وبه تعالى نتأيد ؟ قال علي : وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه - : أما حديث ذكوان عن عائشة ; فليس فيه نهي عنهما ، وإنما فيه نهي عنها يعني عن الصلاة بعد العصر جملة ، وهذا صحيح ، وإذ ذلك كذلك فالواجب استعمال فعله ونهيه ; فننهى عن الصلاة بعد العصر ، ونصلي ما صلى عليه السلام ، ونخص الأقل من الأكثر ، ونستعملهما جميعا ، ولا نخاف واحدا منهما .

ولا فرق بين من ترك الركعتين اللتين صح أنه عليه السلام صلاهما بعد العصر ونهى عنهما من أجل نهيه عن الصلاة بعد العصر - : وبين من ترك نهيه عليه السلام عن الصلاة بعد العصر من أجل صلاته الركعتين بعد العصر .

ولو قالت : وكان ينهى عنهما ; لكان ذلك يدل على أنهما له خاصة ; ولكن لا يحل بالكذب ، ولا الزيادة في الرواية ; ومن فعل ذلك فليتبوأ مقعده من النار - فسقط تعلقهم بهذا الخبر جملة .

وأما حديث ابن عباس فمعلول من وجوه : [ ص: 34 ] أولها : - أن جرير بن عبد الحميد لم يسمع من عطاء بن السائب إلا بعد اختلاط عطاء ، وتفلت عقله ، هذا معروف عند أصحاب الحديث .

وثانيها : - أنه لو صح وسمعنا نحن ابن عباس يقول ذلك - : لما كانت فيه حجة ; لأنه رضي الله عنه أخبر بما عرف ، وأخبرت عائشة بما كان عندها ، مما لم يكن عند ابن عباس : من { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع الركعتين بعد العصر إلى أن مات } ؟ فهذا العلم الزائد الذي لا يحل تركه ، ومن أيقن وقال : علمت أولى ممن قال : لا أعلم وكلاهما صادق ؟ وثالثها - أنه حتى لو صح قول ابن عباس ولم يأت عن أحد من الصحابة خلافه - لما كانت فيه حجة ; لأن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء مرة واحدة حجة باقية ; وحق ثابت أبدا ، ما لم ينه عما فعل من ذلك ؟ ومن قال : لا يكون فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء حقا إلا حتى يكرر فعله فهو كافر مشرك وسخيف [ مع ذلك ] ; لأنه يقال له مثل ذلك فيما فعل مرتين أو ثلاثا أو ألف مرة ، ولا فرق ; وهذا لا يقوله مسلم ، ولا ذو عقل ؟ والعجب أنهم يقولون : إن الصاحب إذا روى خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خالفه فذلك دليل عندهم على وهن الخبر ; وقد صح عن ابن عباس الصلاة بعد العصر كما نذكر بعد هذا فهلا عللوا هذا الخبر بمخالفة ابن عباس ; لما روى في ذلك ، ولكنهم لا مئونة عليهم من التناقض - فسقط هذا الخبر جملة ، - وبالله تعالى التوفيق ؟ [ ص: 35 ] وأما خبر موسى بن طلحة فلا حجة لهم فيه ; لوجوه : أولها - ضعف سنده ; لأنه من طريق أبي صالح كاتب الليث ، وهو ضعيف وفيه سعيد بن أبي هلال ، وليس بالقوي ولم يذكر فيه موسى بن طلحة سماعا من أم سلمة ، ولا من عائشة رضي الله عنهما .

والثاني : - أنه ليس فيه نهي عن صلاتهما والثالث : - أنه لو صح لكان حجة لنا ; لأن فيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين بعد العصر } ولو كانتا لا تجوزان ، أو مكروهتين ما فعلهما عليه الصلاة والسلام ، وفعله عليه السلام حق وهدى ، سواء فعله مرة أو ألف مرة ; ومن قال : إن فعله ضلال ; فهو كافر ؟ .

والرابع : - أنه قد صح خلاف هذا عن أم سلمة رضي الله عنها كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى .

والخامس : - أنه موضوع بلا شك ; لأن فيه إنكار عائشة أنه عليه السلام صلاهما عندها ، ونقل التواتر عن عائشة من رواية الأئمة : أنه لم يزل عليه السلام يصليهما عندها ; مثل : عروة بن الزبير ، وعبد الله بن الزبير ، ومسروق ، والأسود بن يزيد ، وطاوس ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأيمن ، وغيرهم .

وهذا القول سواء سواء أيضا - في حديث أم سلمة الذي ذكرنا من طريق عبد الرحمن بن أبي سفيان - وعبد الرحمن هذا مجهول - ولم يذكر أيضا : أنه سمعه من أم سلمة [ ص: 36 ] وهو خبر موضوع لا شك فيه ; لأن فيه كذبا ظاهرا لا شك فيه ؟ وهو ما نسب إلى عائشة من قولها " ليس عندي صلاهما " وقد ذكرنا من روى تكذيب هذا آنفا .

ولأن فيه أيضا لفظا لا يجوز ألبتة أن يقوله عليه السلام ; وهو { فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس ينظرون إلي فصليتهما عندك } .

إذ لا يخلو فعلهما : أن يكون مكروها أو حراما ; أو مباحا حسنا ؟ فإن كان حراما أو مكروها ; فمن نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم التستر لمحرمات فهو كافر ; لتفسيقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليه السلام أن يقرأ على الناس { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } .

ومن المحال الممتنع أن يتعنى عليه السلام بتكلف صلاة مكروهة لا أجر فيها ؟ فهذا هو التكلف الذي أمره تعالى أن يقول فيه : { وما أنا من المتكلفين } وحاشا لله تعالى أن يفعل عليه السلام - قاصدا إلى فعله - إلا ما يقربه من ربه تعالى وينسيه تعالى الشيء [ ليس ] لنا فيه ما يقربنا من ربنا عز وجل ؟ ، ولا مزيد .

وأما حديث علي بن أبي طالب فلا حجة فيه أصلا ; لأنه ليس فيه إلا إخباره رضي الله عنه بما علم ; من أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما ، وهو الصادق في قوله ، وليس في هذا نهي عنهما ، ولا كراهة لهما ; [ وما ] صام عليه السلام قط شهرا كاملا غير رمضان ; وليس هذا بموجب كراهية صوم [ شهر كامل تطوعا ] .

ثم قد روى غير علي : أنه عليه السلام صلاهما - فكل أخبر بعلمه ، وكلهم صادق [ ص: 37 ] ثم قد صح عن علي خلاف ذلك ; كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى .

وهم يقولون : إن الصاحب إذا روى حديثا وخالفه فهذا دليل عندهم على سقوط ذلك الخبر ; فهلا قالوا هذا ههنا ؟ ، وأما حديث حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن أم سلمة ؟ فحديث منكر ; لأنه ليس هو في كتب حماد بن سلمة .

وأيضا فإنه منقطع ، ولم يسمعه ذكوان من أم سلمة ؟ برهان ذلك : أن أبا الوليد الطيالسي روى هذا الخبر عن حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها ركعتين بعد العصر فقلت : ما هاتان الركعتان ؟ قال : كنت أصليهما بعد الظهر ، وجاءني مال فشغلني فصليتهما الآن } .

فهذه هي الرواية المتصلة : وليس فيها { أفنقضيهما نحن ؟ قال : لا } فصح أن هذه الزيادة لم يسمعها ذكوان من أم سلمة ، ولا ندري عمن أخذها ؟ فسقطت .

ثم لو صحت هذه اللفظة لما كان لهم فيها حجة أصلا ; لأنه ليس فيها نهي عن صلاتهما [ أصلا ] ، وإنما فيها : النهي عن قضائهما فقط ، فلا يحل توثيب كلامه عليه السلام [ ص: 38 ] إلى ما لم يقله تلبيسا من فاعل ذلك في الدين - فسقط كل ما تعلقوا به ولله الحمد .

وأما أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر ; فسنذكرها - إن شاء الله تعالى - إثر هذه المسألة والكلام عليها ; بحول الله تعالى وقوته ؟ وأما تعلق الشافعي بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا من أنه عليه السلام { كان إذا صلى صلاة أثبتها } فلا حجة له فيه ; لأنه ليس فيه نهي عن أن يصليهما من لم ينس الركعتين قبل العصر ; وليس فيه إلا [ الإباحة ; للصلاة ] حينئذ ; إذ لو لم تكن جائزة لما صلاها عليه السلام ، قاضيا ، ولا مثبتا ، وفي إثباته عليه السلام إياها أصح بيان بأنها حينئذ جائزة حسنة ; ولم يقل عليه السلام : إنه لا يصليهما إلا من نسيهما - فسقط تعلقه به ؟ قال علي : فإذ سقط كل ما شغبوا به فلنذكر - إن شاء الله عز وجل - الآثار الواردة في الركعتين بعد العصر - : حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير ; قال زهير : ثنا جرير ، وقال ابن نمير : ثنا أبي ، ثم اتفقا جميعا : عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : { ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر عندي قط } .

وبه إلى مسلم : ثنا علي بن حجر أنا علي بن مسهر أنا أبو إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن أبيه عن عائشة قالت { صلاتان ما تركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي قط سرا ، ولا علانية : ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد العصر } .

[ ص: 39 ] وبه إلى مسلم ثنا حسن الحلواني ثنا عبد الرزاق أنا مع معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن عائشة قالت { لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر } .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو نعيم هو الفضل بن دكين - ثنا عبد الواحد بن أيمن حدثني أبي أنه سمع عائشة أم المؤمنين قالت : { والذي ذهب به تعني رسول الله ما تركهما حتى لقي الله تعالى - تعني الركعتين بعد العصر - قالت : وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة } فهذا غاية التأكيد فيهما .

وقد روتهما أيضا أم سلمة وميمونة أما المؤمنين وتميم الداري ، وعمر بن الخطاب ، وزيد بن خالد الجهني ، وغيرهم - فصار نقل تواتر يوجب العلم .

حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا ابن أيمن ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي ثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو الرقي - ثنا عبد الوارث بن سعيد التنوري ثنا حنظلة هو ابن أبي سفيان الجمحي - عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : قال : صلى بنا معاوية العصر فرأى ناسا يصلون ، فقال : ما هذه الصلاة ؟ فقالوا : هذه فتيا عبد الله بن الزبير ؟ فجاء عبد الله بن الزبير مع الناس ، فقال له معاوية : ما هذه الفتيا التي تفتي : أن يصلوا بعد العصر ؟ [ ص: 40 ] فقال ابن الزبير : حدثتني زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه عليه السلام صلى بعد العصر } .

فأرسل معاوية إلى عائشة ؟ فقالت : هذا حديث ميمونة بنت الحارث ؟ فأرسل إلى ميمونة رسولين ؟ فقالت : إنما حدثت { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهز جيشا فحبسوه حتى أرهق العصر ، فصلى العصر ، ثم رجع فصلى ما كان يصلي قبلها ؟ قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أو فعل شيئا - : يحب أن يداوم عليه } .

فقال ابن الزبير : أليس قد صلى ؟ والله لأصلينه قال علي : ظهرت حجة ابن الزبير ، فلم يجز عليه الاعتراض قال علي : وقالوا : قد كان عمر يضرب الناس عليها ، وابن عباس معه ؟ قلنا : لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في عمر ، ولا في غيره ; بل هو عليه السلام الحجة على عمر وغيره - وقد خالف عمر في ذلك طوائف من الصحابة وقد صح عن عمر ، وعن ابن عباس : إباحة الركوع والتطوع ; والوجه الذي من أجله ضرب عمر عليها - فقد خالفوا عمر رضي الله عنه في ذلك ؟ حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف ثنا يحيى بن بكير حدثني الليث بن سعد عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة بن الزبير عن عروة { أخبرني تميم الداري ، أو أخبرت أن تميما الداري ركع ركعتين بعد العصر فأتاه عمر فضربه بالدرة ، فأشار إليه تميم : أن اجلس ؟ فجلس عمر حتى فرغ تميم ، فقال لعمر : لم ضربتني ؟ [ ص: 41 ] فقال له عمر : لأنك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيت عنهما ؟ قال له تميم إني صليتهما مع من هو خير منك : رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له عمر : إني ليس بي إياكم أيها الرهط ؟ ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب ، حتى يمرون بالساعة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى فيها كما صلوا بين الظهر والعصر ; ثم يقولون : قد رأينا فلانا وفلانا يصلون بعد العصر } .

حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج سمعت أبا سعيد الأعمى يحدث عن السائب مولى الفارسيين عن زيد بن خالد الجهني { أن عمر رآه يصلي بعد العصر ركعتين - وعمر خليفة - فضربه بالدرة وهو يصلي كما هو ، فلما انصرف قال له زيد : يا أمير المؤمنين ، فوالله لا أدعهما أبدا بعد إذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما ; } فجلس إليه عمر ، وقال : يا زيد بن خالد ، لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما " فهذا نص جلي ثابت عن عمر بإجازته التطوع بعد العصر ما لم تصفر الشمس وتقارب الغروب ؟ وروينا بالإسناد الثابت عن شعبة عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال : قال ابن عباس : لقد رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الصلاة بعد العصر ؟ ثم قال ابن عباس : صل إن شئت ما بينك وبين أن تغيب الشمس ؟ .

[ ص: 42 ] قال علي : هم يقولون في الصاحب يروي الحديث ثم يخالفه : لولا أنه كان عنده علم بنسخه ما خالفه ؟ فيلزمهم أن يقولوا ههنا : لولا أنه كان عند ابن عباس علم أثبت من فعل عمر ما خالف ما كان عليه [ مع ] عمر .

وبمثله عن شعبة عن أبي شعيب عن طاوس : سئل ابن عمر عن الركعتين بعد العصر : فرخص فيهما ؟ قال علي : هلا قالوا : إن ابن عمر لم يكن ; ليخالف أباه ، لولا فضل علم كان عنده بأثبت من فعل أبيه ؟ وروينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح : أن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين كانتا تركعان ركعتين بعد العصر .

وروينا عن حماد بن سلمة وهشام بن عروة ، قال حماد : عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال : كانت عائشة أم المؤمنين تصلي ركعتين بعد العصر وهي قائمة : وكانت ميمونة أم المؤمنين تصلي أربعا وهي قاعدة ، فسئلت عن ذلك ؟ فقالت عن عائشة : إنها شابة وأنا عجوز فأصلي أربعا بدل ركعتيها .

قال علي : هذا يبطل رواية من روى عن أم سلمة { أنقضيها نحن ؟ قال : لا } .

وقال هشام عن أبيه : كان الزبير وعبد الله بن الزبير يصليان بعد العصر ركعتين روينا عن عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة : كنا نصلي مع ابن الزبير [ ص: 43 ] العصر في المسجد الحرام ، فكان يصلي بعد العصر ركعتين ، وكنا نصليهما معه ، نقوم صفا خلفه .

وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : سبح المنكدر بعد العصر فضربه عمر قال علي : المنكدر والسائب صاحبان لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه : أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر ; فلما استخلف عمر تركهما : فلما توفي عمر ركعهما ; فقيل له : ما هذا ؟ فقال : إن عمر كان يضرب الناس عليهما قال علي : في هذا الحديث بيان واضح أن أبا بكر الصديق وعثمان رضي الله عنهما كانا يجيزان الركوع بعد العصر وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة وسفيان جميعا قالا : ثنا أبو إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة : أن علي بن أبي طالب كان في سفر فصلى العصر ; ثم دخل فسطاطه فصلى ركعتين ؟ وعن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال : سألت أبا جحيفة عن الركعتين بعد العصر ؟ فقال : إن لم ينفعاك لم يضراك وعن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ثنا يزيد بن خمير عن عبد الله بن يزيد عن جبير بن نفير قال : كتب عمر إلى عمير بن سعد ينهاه عن الركعتين بعد العصر ; فقال [ ص: 44 ] أبو الدرداء : أما أنا فلا أتركهما ; فمن شاء أن ينحضج فلينحضج .

وعن حماد بن زيد ثنا أنس بن سيرين قال : خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذ سيرين ، وهي خمسة فراسخ فحضرت صلاة العصر ، فأمنا قاعدا على بساط في السفينة ، فصلى بنا ركعتين ، ثم سلم ، ثم صلى بنا ركعتين وعن يزيد بن هارون عن عمار بن أبي معاوية الذهني عن أبي شعبة التميمي قال : رأيت الحسن بن علي بن أبي طالب يطوف بعد العصر ويصلي ؟ وعن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس } وعن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود [ ص: 45 ] في حديث : { سيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه ، قليل علماؤه ، يطيلون الخطبة ويؤخرون الصلاة حتى يقال : هذا شرق الموتى قلت : وما شرق الموتى ؟ قال : إذا اصفرت الشمس جدا فمن أدرك ذلك منكم فليصل الصلاة لوقتها ، فإن احتبس فليصل معهم ، وليجعل صلاته وحده الفريضة ، وصلاته معهم تطوعا } .

قال علي : فهؤلاء أكابر الصحابة رضي الله عنهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والزبير ، وعائشة ، وأم سلمة ، وميمونة : أمهات المؤمنين ، وابن الزبير ، ومن بحضرته من الصحابة ، وتميم الداري ، والمنكدر ، وزيد بن خالد الجهني ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأبو جحيفة ، وأبو الدرداء ، [ وأنس ] والحسن بن علي ، وبلال ، وطارق بن شهاب ، وابن مسعود .

وروي أيضا عن النعمان بن بشير وغيرهم ، فمن بقي ؟ ؟ وما نعلم لهم متعلقا بأحد من الصحابة رضي الله عنهم إلا رواية عن أبي سعيد الخدري ، جعلها خاصة ; لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وإذا قال صاحب : هي خاصة ، وقال آخرون منهم : هي عامة ، فالسير على العموم حتى يأتي نص صحيح بأنها خصوص ، ولا سبيل إلى وجوده ، وأخرى عن [ ص: 46 ] معاوية ، ليس فيها نهي عنهما ، بل فيها : إن الناس كانوا يصلونها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأخرى مرسلة لا تصح عن ابن مسعود ; ليس فيها أيضا إلا : وأنا أكره ما كره عمر ، وقد صح عن عمر ، وعن ابن مسعود : إباحة ذلك .

وعن أبي بكرة : المنع من الصلاة جملة من حين صفرة الشمس .

والحنفيون والمالكيون مخالفون له في ذلك ، كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى .

وأما التابعون فكثير ، منهم : هشام بن عروة ; وأنس بن سيرين ; كما ذكرنا آنفا وعن حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن يزيد بن طلق : أن عبد الرحمن بن البيلماني كان يصلي بعد العصر ركعتين ؟ وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني إبراهيم بن ميسرة أن طاوسا صلى بحضرته ركعتين بعد العصر . ثم قال له : أتصلي بعد العصر ؟ قلت : نعم ، قال : أكرمت والله وعن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء هو أشعث بن سليم قال : سافرت مع أبي ، وعمرو بن ميمون ، والأسود ، ومسروق ، وأبي وائل فكانوا يصلون بعد الظهر ركعتين ، وبعد العصر ركعتين ؟ وعن محمد بن جعفر غندر : ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال : رأيت شريحا القاضي يصلي بعد العصر ركعتين ؟ وعن محمد بن المثنى عن معاذ بن معاذ العنبري ثنا أبي عن قتادة قال : كان سعيد بن المسيب يصلي بعد العصر ركعتين ؟ .

[ ص: 47 ] وعن محمد بن المثنى : ثنا أبو عاصم النبيل عن عمر بن سعيد قال : رأيت القاسم بن محمد بن أبي بكر يطوف بعد العصر ويصلي ركعتين - ، وكذلك أيضا عن الحسن فهؤلاء : هشام بن عروة ، وأنس بن سيرين ، وطاوس ، وعبد الرحمن بن البيلماني ، وإبراهيم بن ميسرة وأبو الشعثاء ، وأشعث ابنه ، وعمرو بن ميمون ، ومسروق ، والأسود ، وأبو وائل ، وشريح القاضي ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ; وغيرهم : كعبد الله بن أبي الهذيل ، وأبي بردة بن أبي موسى ، وعبد الرحمن بن الأسود ، والأحنف بن قيس وبهما يقول أبو خيثمة وأبو أيوب الهاشمي ، وبه نأخذ إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث