الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يأخذ اللقيط من الملتقط أحد بغير رضاه

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ومن اثنين ) أي ويثبت نسبه من اثنين إذا ادعياه معا ولا مرجح لاستوائهما في السبب وقيده في الخانية بأن يقول كل واحد منهما هو ولدي من جارية مشتركة بينهما قيد بالاثنين لأن فيما زاد على الاثنين اختلافا فروي عن الإمام أنه جوز إلى خمسة وقال أبو يوسف يثبت من اثنين ولا يثبت من أكثر من ذلك وقال محمد أجوز الثلاثة ولا أجوز أكثر من ذلك كذا ذكره الإسبيجابي ولم أر توجيه هذه الأقوال وقيد بدعوى الرجل لأن المدعي لو كان امرأة ادعت أنه ابنها فإن صدقها زوجها أو شهدت لها القابلة أو قامت البينة صحت دعوتها وإلا فلا لأن فيه حمل نسب الغير على الغير وأنه لا يجوز ولو ادعت امرأتان وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به وإن أقامتا جميعا فهو ابنهما عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف لا يكون لواحدة منهما وعن محمد روايتان في رواية أبي حفص يجعل ابنهما وفي رواية أبي سليمان لا يجعل ابن واحدة منهما كذا في البدائع .

واعلم أن شهادة القابلة إنما يكتفى بها فيما إذا كان لها زوج منكر للولادة أما إذا لم يكن لها زوج فلا بد من شهادة رجلين كما صرح به في الخانية وفيها لو أقامت إحداهما رجلين والأخرى امرأتين يجعل ابنا للذي شهد لها رجلان ولو ادعت امرأتان اللقيط أنه ابنهما كل واحدة منهما تقيم البينة على رجل على حدة بعينه أنها ولدته منه قال أبو حنيفة يصير ولدهما من الرجلين جميعا وقالا لا يصير ولدهما ولا ولد الرجلين ا هـ .

وفي الظهيرية رجلان ادعيا نسب اللقيط وأقاما البينة وأرخت بينة كل واحدة منهما يقضى لمن يشهد له سن الصبي فإن كان سن الصبي مشتبها لم يوافق كلا من التاريخين فعلى قولهما يسقط اعتبار التاريخ ويقضى به بينهما باتفاق الروايات وأما على قول أبي حنيفة فقد ذكر خواهر زاده أنه يقضى به بينهما في رواية أبي حفص وفي رواية أبي سليمان يقضى لأقدمهما تاريخا ا هـ .

وفي التتارخانية أنه يقضى به بينهما في عامة الروايات وهو الصحيح وقيدنا بكونهما ادعياه معا لأنه لو سبقت دعوة أحدهما فهو ابنه لعدم النزاع ولو ادعى الآخر بعده لا يقبل منه إلا ببينة لأن البينة أقوى كذا في الهداية ولا اعتبار بالوصف من الثاني مع سبق الأول كما في فتح القدير وقيدنا بعدم المرجح لأحدهما لأنه لو كان لأحدهما مرجح فهو أولى فيقدم الملتقط على الخارج ولو كان الملتقط ذميا والخارج مسلم لاستوائهما في الدعوى ولأحدهما يد فيحكم للذمي وبإسلام الولد ويقدم من يقيم البينة على من لم يبرهن من الخارجين والمسلم على الذمي والحر على العبد والذمي الحر على العبد المسلم ولم يذكروا من المرجح تقديم الأب على الابن وذكروه في ولد الجارية المشتركة والفرق ظاهر وأما الترجيح بالعلامة فسيأتي ( قوله وإن وصف أحدهما علامة به ) أي بالولد ( فهو أحق به ) يعني إذا وافقها لأن الظاهر شاهد له لموافقة العلامة كلامه قيد باللقيط لأن صاحب العلامة في اللقطة لا يترجح عند التنازع لأن الترجيح عند وجود سبب الاستحقاق وقد وجد في اللقيط وهو الدعوة دون اللقطة وكذا لو تنازع خارجان عينا في يد ثالث وذكر أحدهما علامة فإنه لا ترجيح له وقيدنا بالموافقة لأنه لو وصف أحدهما العلامة ولم يصب فلا ترجيح وهو ابنهما وكذا لو وصف أحدهما وأصاب في البعض وأخطأ في البعض فهو ابنهما وإن وصفا ولم يصب

[ ص: 158 ] واحد منهما فهو ابنهما ولو وصفا وأصاب أحدهما دون الآخر قضى للذي أصاب كذا في الظهيرية ثم اعلم أن العلامة مرجحة عند عدم مرجح أقوى منها فيقدم ذو البرهان على ذي العلامة والمسلم على الذمي ذي العلامة وظاهر ما في فتح القدير تقديم ذي اليد على الخارج ذي العلامة وينبغي تقديم الحر على العبد ذي العلامة فعلم أنها أضعف المرجحات وفي التتارخانية وإذا ادعى اللقيط رجلان ادعى أحدهما أنه ابنه والآخر أنه ابنته فإذا هو خنثى فإن كان مشكلا قضي به بينهما وإن لم يكن مشكلا حكم به لمن ادعى أنه ابنه ا هـ .

وفيها عن القدوري لو شهد للمسلم ذميان وللذمي مسلمان قضي به للمسلم ( قوله ومن ذمي وهو مسلم إن لم يكن في مكان أهل الذمة ) أي يثبت النسب من ذمي عند عدم دعوى مسلم ويكون اللقيط مسلما إن لم يكن في مكان أهل الذمة وهذا استحسان لأن دعواه تضمن النسب وهو نافع للصغير وإبطال الإسلام الثابت بالدار وهو يضره فصحت دعوته فيما ينفعه دون ما يضره والمراد من مكان أهل الذمة قرية من قراهم أو بيعة أو كنيسة قال في الهداية وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذميا رواية واحدة .

وإن كان الواجد مسلما في هذا المكان أو ذميا في مكان المسلمين اختلفت الرواية فيه ففي كتاب اللقيط اعتبر المكان لسبقه وفي كتاب الدعوى في بعض النسخ اعتبر الواجد وهو رواية ابن سماعة عن محمد لقوة اليد ألا ترى أن تبعية الأبوين فوق تبعية الدار حتى إذا سبى مع الصغير أحدهما يعتبر كافرا وفي بعض نسخه اعتبر الإسلام نظرا للصغير وفي النهاية حاصلها على أربعة أوجه أحدها أن يجده مسلم في مكان المسلمين فهو مسلم ثانيها أن يجده كافر في مكانهم فهو كافر ثالثها أن يجده كافر في مكان المسلمين رابعها عكسه ففيه روايتان ففي كتاب اللقيط العبرة للمكان فيهما وفي رواية ابن سماعة العبرة للواجد فيهما وفي فتح القدير ولا ينبغي أن يعدل عما في بعض النسخ من اعتبار الإسلام أي ما يصير الولد به مسلما نظرا للصغير ا هـ .

وظاهر كلام المصنف أنه إنما يعتبر مكان أهل الذمة إذا كان الواجد ذميا ومفهومه أن يكون مسلما في الصور الثلاث ذميا في صورة واحدة ولا يعدل عنه كما ذكرنا وفي كفاية البيهقي قيل يعتبر بالسيما والزي لأنه حجة قال الله تعالى { تعرفهم بسيماهم } وقال { يعرف المجرمون بسيماهم } وفي المبسوط كما لو اختلط الكفار يعني موتانا بموتاهم فإنه يعتبر بالزي والعلامة ولو فتحت القسطنطينية فوجد فيها شيخ يعلم صبيانا حوله القرآن يزعم أنه مسلم يجب أن يؤخذ بقوله كذا في فتح القدير .

وذكر في الخانية الروايات الأربع وصرح في المختار بأن ظاهر الرواية اعتبار المكان وفي الخانية ولوأدرك اللقيط كافرا فإن كان الملتقط وجده في مصر من أمصار المسلمين فإنه يحبس ويجبر على الإسلام استحسانا واختلفوا في موضع القياس والاستحسان قال بعضهم القياس والاستحسان في قتله إذا لم يسلم في القياس يقتل وفي الاستحسان لا يقتل وقال بعضهم الاستحسان والقياس في الجبر على الإسلام في القياس لا يجبر على الإسلام وترك على الكفر بالحرية وفي الاستحسان يجبر على الإسلام ولا يترك على الكفر وهو الصحيح ا هـ .

ثم اعلم أن ابن الذمي اللقيط إنما يكون مسلما إذا لم يقم بينة أنه ابنه فإن برهن بشهود مسلمين قضي له به وصار تبعا له في دينه وإن أقام بينة من أهل الذمة لا يكون ذميا لأنا حكمنا بإسلامه فلا يبطل هذا الحكم بهذه البينة لأنها شهادة قامت في حكم الدين على مسلم فلا تقبل كذا في الخانية .

[ ص: 157 ]

التالي السابق


[ ص: 157 ] ( قوله وقيده في الخانية بأن يقول إلخ ) قال في النهر لا وجود لهذا التقييد في الخانية فإن الذي فيها لو ادعى رجلان معا كل واحد منهما يقول هو ولدي من جارية مشتركة بينهما ثبت نسبه وصار ولدا لهما وهذا كما ترى لا يفيد تقييدا أصلا ثم رأيت في التتارخانية لو عين كل واحد منهما امرأة أخرى قضي بالولد بينهما وهل يثبت نسب الولد من المرأتين على قياس قول أبي حنيفة يثبت وعلى قولهما لا يثبت وقال قبله لو ادعته امرأتان كل واحدة منهما تقيم البينة على رجل على حدة معينة أنها ولدته منه قال أبو حنيفة يصير ولدهما من الرجلين جميعا وقالا يصير ولدهما لا ولد الرجلين ا هـ .

وهذا كما ترى صريح في أن اتحاد الوالدة ليس شرطا في ثبوته من متعدد نعم المذكور في الخانية عنهما أنه لا يصير ولدهما ولا ولد الرجلين [ ص: 158 ] ( قوله وإن لم يكن مشكلا حكم به لمن ادعى أنه ابنه ) قال المقدسي ينبغي إن وافق وإلا فلمن وافق ا هـ .

قلت : والذي رأيته في التتارخانية وإن لم يكن مشكلا وحكم بكونه ابنا فهو للذي ادعى أنه ابنه ا هـ . وعليه فلا إشكال .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث