الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ما يشترك فيه الصبر والشكر

اعلم أنه ما من نعمة من النعم الدنيوية إلا ويجوز أن تكون بلاء بالإضافة ، ونعمة كذلك ، فرب عبد تكون له الخيرة في الفقر والمرض ولو صح بدنه وكثر ماله لبطر وبغى ، قال الله - تعالى - : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) [ الشورى : 27 ] وقال - تعالى - : ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) [ العلق : 6 و 7 ] ، وكذلك الزوجة والولد والقريب وأمثالها ؛ فإن الله - تعالى - لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ونعمة أيضا .

فإذن في خلق الله - تعالى - البلاء نعمة أيضا إما على المبتلى أو على غير المبتلى ، فإذن كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق ، ولا نعمة مطلقة فيجتمع فيها على العبد وظيفتان : الصبر والشكر جميعا .

فإن قلت : فهما متضادان فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلا على غم ، ولا شكر إلا على فرح ؟ فاعلم أن الشيء الواحد قد يغتم به من وجه ويفرح به من وجه آخر ، فيكون الصبر من حيث الاغتمام والشكر من حيث الفرح ، وفي كل فقر ومرض وخوف وبلاء في الدنيا خمسة أمور ينبغي أن يفرح العاقل بها ويشكر عليها :

أحدها : أن كل مصيبة ومرض فيتصور أن يكون أكبر منها ، إذ مقدورات الله - تعالى - لا تتناهى ، فلو ضعفها الله وزادها ماذا كان يرده ويحجزه ؟ فليشكر إذ لم تكن أعظم منها في الدنيا .

الثاني : أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه ، وفي الخبر : " اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا " .

الثالث : أنه ما من عقوبة إلا ويتصور أن تؤخر إلى الآخرة ، ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر ، تهون المصيبة فيخف وقعها ، ومصيبة الآخرة تدوم ، فلعله لم تؤخر عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبته في الدنيا ، فلم لا يشكر الله على ذلك ؟

[ ص: 288 ] الرابع : أن هذه المصيبة والبلية كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب ، وكان لا بد من وصولها إليه وقد وصلت ووقع الفراغ واستراح من بعضها أو من جميعها ، فهذه نعمة . الخامس : أن ثوابها أكثر منها ، فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة ، وكل بلاء في الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذي يؤلم في الحال وينفع في المآل ، فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلايا ، ومن لم يعرف هذه النعم في البلاء لم يتصور منه الشكر ؛ لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة ، ومن لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة ، والأخبار الواردة في ثواب الصبر على المصائب كثيرة ، ويكفي في ذلك قوله - تعالى - : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ الزمر : 10 ] .

ثم مع فضل النعمة في البلاء كان - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة ، وكان يستعيذ من شماتة الأعداء وغيرها ، وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - : " سلوا الله العافية ؛ فما أعطي أحد أفضل من العافية إلا اليقين " وأشار باليقين إلى عافية القلب عن مرض الجهل والشك ، فعافية القلب أعلى من عافية البدن ، وفي دعائه - صلى الله عليه وسلم - : " وعافيتك أحب إلي " .

فنسأل الله - تعالى - المان بفضله على جميع خلقه العفو والعافية في الدين والدنيا ، والآخرة لنا ولجميع المسلمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث