الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .

وهذا هو المقسم عليه ، والتقويم التعديل كما في قوله : ولم يجعل له عوجا قيما [ 18 \ 1 - 2 ] ، وأحسن تقويم شامل لخلق الإنسان حسا ومعنى أي شكلا وصورة وإنسانية ، وكلها من آيات القدرة ودلالة البعث .

وروي عن علي رضي الله عنه :


دواؤك منك ولا تشعر وداؤك منك ولا تبصر

[ ص: 6 ]     وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الكبير



وقد بين تعالى خلقه ابتداء من نطفة فعلقة إلى آخره في أكثر من موضع ، كما في قوله : ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [ 75 \ 34 - 40 ] .

وكذلك في هذه السورة التنبيه على البعث بقوله : فما يكذبك بعد بالدين [ 95 \ 7 ] .

أما الجانب المعنوي فهو الجانب الإنساني ، وهو المتقدم في قوله : ونفس وما سواها على ما قدمنا هناك ، من أن النفس البشرية هي مناط التكليف ، وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنسانا ، وبهما كان خلقه في أحسن تقويم ، ونال بذلك أعلى درجات التكريم : ولقد كرمنا بني آدم [ 17 \ 70 ] .

والإنسان وإن كان لفظا مفردا إلا أنه للجنس بدلالة قوله : ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا [ 95 \ 5 - 6 ] ، وهذا مثل ما في سورة : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ 103 \ 1 - 6 ] ، فباستثناء الجمع منه ، علم أن المراد به الجنس .

والتأكيد بالقسم المتقدم على خلق الإنسان في أحسن تقويم يشعر أن المخاطب منكر لذلك ، مع أن هذا أمر ملموس محسوس ، لا ينكره إنسان .

وقد أجاب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على ذلك : بأن غير المنكر إذا ظهرت عليه علامات الإنكار ، عومل معاملة المنكر ، كقول الشاعر :


جاء شقيق عارضا رمحه     وإن بني عمك فيهم رماح



وأمارات الإنكار على المخاطبين ، إنما هي عدم إيمانهم بالبعث ; لأن العاقل لو تأمل خلق الإنسان ، لعرف منه أن القادر على خلقه في هذه الصورة ، قادر على بعثه .

وهذه المسألة أفردها الشيخ في سورة الجاثية بتنبيه على قوله تعالى : وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون [ 45 \ 4 ] ، وتكرر هذا البحث في عدة مواضع ، وأصرح دلالة على هذا المعنى ما جاء في آخر يس : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [ 36 \ 78 - 79 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث