الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وجاءوا أباهم عشاء يبكون

ثم قال تعالى : ( وجاءوا على قميصه بدم كذب ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : إنما جاءوا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم . قيل : ذبحوا جديا ولطخوا ذلك القميص بدمه . قال القاضي : ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيدا لصدقهم ، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى ، فلما شاهد القميص صحيحا علم كذبهم .

المسألة الثانية : قوله : ( وجاءوا على قميصه ) أي وجاءوا فوق قميصه بدم كما يقال : جاءوا على جمالهم بأحمال .

المسألة الثالثة : قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري : ( بدم كذب ) أي مكذوب فيه ، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذبا للمبالغة ، قالوا : والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال : ماء سكب ، أي مسكوب ، ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن ، والفاعل كقوله : ( إن أصبح ماؤكم غورا ) [ الملك : 30 ] ورجل عدل وصوم ، ونساء نوح ; ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضا بهما فقالوا للعقل المعقول ، وللجلد المجلود ، ومنه قوله تعالى ( بأييكم المفتون ) [ القلم : 6 ] وقوله : ( إذا مزقتم كل ممزق ) [ سبأ : 7 ] قال الشعبي : قصة يوسف كلها في قميصه ، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ، ولما شهد الشاهد قال : ( إن كان قميصه قد من قبل ) [ يوسف : 26 ] ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقي على وجهه ارتد بصيرا . ثم ذكر تعالى أن إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام : ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) .

قال ابن عباس : معناه : بل زينت لكم أنفسكم أمرا . والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه ، قال الأزهري : كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان ، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره . وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز . وقال صاحب الكشاف : " سولت " سهلت من السول وهو الاسترخاء .

إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( بل ) رد لقولهم : ( أكله الذئب ) كأنه قال : ليس كما تقولون : ( بل سولت لكم أنفسكم ) في شأنه ( أمرا ) أي زينت لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون ، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه :

الأول : أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم .

والثاني : أنه كان عالما بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف : ( وكذلك يجتبيك ربك ) [ يوسف : 6 ] [ ص: 83 ] وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك .

القول الثالث : قال سعيد بن جبير : لما جاءوا على قميصه بدم كذب ، وما كان متخرقا ، قال : كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه ، وعن السدي أنه قال : إن يعقوب عليه السلام قال : إن هذا الذئب كان رحيما ، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه ؟ وقيل : إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم : بل قتله اللصوص . فقال : كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله ؟ فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث