الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المحمود من الخوارق والمذموم والمباح

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فالخارق ثلاثة أنواع : محمود في الدين ، ومذموم ، ومباح . فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة ، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها . قال أبو علي الجوزجاني : كن طالبا للاستقامة ، لا طالبا للكرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة ، وربك يطلب منك الاستقامة .

قال الشيخ السهروردي في عوارفه : وهذا أصل كبير في [ ص: 748 ] الباب ، فإن كثيرا من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف الصالحين المتقدمين ، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات ، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ، ويحبون أن يرزقوا شيئا منه ، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب ، متهما لنفسه في صحة عمله ، حيث لم يحصل له خارق ، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر ، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا ، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة - يقينا ، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا ، والخروج عن دواعي الهوى . فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة ، فهي كل الكرامة .

ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان ، لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا ، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا . فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تعالى تارة ، ومكروها لله أخرى .

وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن . وهؤلاء يشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له ، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة ، وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه ، وهو طاعته وطاعة رسوله ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة أعدائه . وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ يونس : 62 ] .

[ ص: 749 ] وأما ما يبتلي الله به عبده ، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء - فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه ، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه ، وشقي بها قوم إذا عصوه ، كما قال تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا [ الفجر : 15 - 17 ] .

ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام : قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة ، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله ، وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات ، كما تقدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث