الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


311 مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في سبحته قاعدا قط حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها

التالي السابق


هكذا رواه جماعة رواة الموطإ بهذا الإسناد ، عن مالك عن ابن شهاب عن السائب ورواه أبو حمة محمد بن يوسف عن أبي قرة موسى [ ص: 221 ] بن طارق عن مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد الجندعي عن المطلب بن أبي وداعة فأخطأ فيه ، ورواه علي بن زياد عن موسى بن طارق عن مالك ( بن أنس ) عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد كما رواه الناس ، وهو الصواب .

وفي هذا الحديث من الفقه إجازة صلاة النافلة جالسا لمن يطيق القيام ، والسبحة : النافلة ، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها فصلوا الصلاة لوقتها ، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة . يعني نافلة قال الله - عز وجل - : فلولا أنه كان من المسبحين .

( جاء في التفسير ) لولا أنه كان من المصلين ، وقد يحتمل في اللغة أن تكون السبحة اسما لجنس الصلاة كلها نافلة وغيرها .

وفي اللغة أن الصلاة أصلها الدعاء لكن الأسماء الشرعية أولى ، لأنها قاضية على اللغوية ، وفي قول رسول [ ص: 222 ] الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا صلاتكم معهم سبحة ، وقد روي اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ، وكذلك قوله للذين لم يصليا معه بمسجد الخيف إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد ، فصليا مع الناس تكون لكما سبحة ، وروي تكون لكما نافلة ، وهذا كله دليل على أن السبحة حقيقتها في الاسم الشرعي النافلة دون الفريضة ، لأنه مرة يقول سبحة ، ومرة ( يقول ) : نافلة .

وفيه ترتيل القرآن في الصلاة ، وهو الذي أمر الله به رسوله واختاره له ولسائر أمته ، قال الله - عز وجل - : ورتل القرآن ترتيلا ، والترتيل التمهل والترسل ليقع مع ذلك التدبر ، وكذلك كانت قراءته - صلى الله عليه وسلم - حرفا حرفا فيما حكت أم سلمة وغيرها ، وقد ذكرنا فضل الترتيل على الهذ في كتاب جمعناه في ( البيان عن تلاوة القرآن ) وفي قول حفصة فيرتلها حتى تكون ( أطول من أطول منها ) دليل على إباحة الهذ ، لأنه محال أن تكون ) أطول من أطول منها إذا رتلت التي هي أطول [ ص: 223 ] منها مثل ترتيلها ، وإنما أرادت أطول ( من أطول ) منها إذا حدرت تلك وهذ بها قارئها .

وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي في النافلة جالسا إلا في آخر عمره ، وذلك حين أسن وضعف عن القيام وبدن ، وأنه كان صابرا طول عمره على القيام ، والاجتهاد في العمل حتى كانت ترم قدماه - صلوات الله وسلامه عليه - وفي هذا دليل على أن الفضل في النافلة قائما مثلما ذلك فيها جالسا ، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم - يعني في الأجر - وقد تقدم القول في هذا الحديث ، فأغنى عن إعادته .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر قال : حدثنا ابن عيينة عن زياد بن علاقة سمع المغيرة بن شعبة يقول : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ورمت قدماه فقالوا : يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من [ ص: 224 ] ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا أبو قلابة الرقاشي قال : حدثنا أبو زيد قال : حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي حتى ترم قدماه فقيل له : تفعل هذا وقد غفر ( الله ) لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ .

ورواه الثوري عن الأعمش بإسناده مثله .

وحدثنا سعيد بن نصر ( قال : حدثنا قاسم ) بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا ابن عجلان قال : حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تبادروني بركوع ولا بسجود ، فإني مهما أسبقكم به [ ص: 225 ] إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت ، إني قد بدنت .

كذا قال : " بدنت " بالضم ، ومعناه عند أهل اللغة أنه حمل اللحم وثقل ، كذا فسره أبو عبيد قال : وأما من قال : إني قد بدنت ، بفتح الدال وتشديدها فيعني أنه أسن وضعف بأخذ السن منه .

حدثني عبيد بن محمد قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني عيسى بن مسكين قال : قال لي ابن أبي أويس قال إبراهيم بن سعد : هذا الذي يروي قد بدنت ، فقلت : ما الحجة فيه ، قال : قول الشاعر :


قامت تريك بدنا مكنونا كعرقي البيض استمات لينا     وخلت أن الشيب والتبدينا
والنأي مما يذهل القرينا





تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث