الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة

وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون .

لما جرى الكلام على أن الله تعالى خلق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وهو ملك عوالم الدنيا ، وذيل ذلك بأن الذين كفروا بدليل الوحدانية هم [ ص: 61 ] الخاسرون ، وانتقل الكلام هنا إلى عظمة ملك الله تعالى في العالم الأخروي الأبدي ، وأن الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت الدنيا قد خسروا بترك النظر ، فلو اطلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة لقدروه حق قدره فتكون الواو عاطفة جملة والأرض جميعا قبضته يوم القيامة على جملة له مقاليد السماوات والأرض ويكون قوله وما قدروا الله إلخ معترضا بين الجملتين ، اقتضاها التناسب مع جملة والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون .

ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الله خالق كل شيء فتكون جملة وما قدروا الله حق قدره وجملة والأرض جميعا قبضته كلتاهما معطوفتين على جملة الله خالق كل شيء ، والمعنى هو هو ، إلا أن الحال أوضح إفصاحا عنه .

ويجوز أن تكون جملة والأرض جميعا قبضته عطف غرض على غرض انتقل به إلى وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه ، وجملة وما قدروا الله حق قدره اعتراضا ، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صبرة فنقصها عن مقدارها ، فصار معنى وما قدروا الله : ما عرفوا عظمته حيث لم ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلهيته .

و ( حق قدره ) من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي ما قدروا الله قدره الحق ، فانتصب ( حق ) على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع ، وتقدم نظير هذا في سورة الأنعام .

وجميع : أصله اسم مفعول مثل قتيل ، قال لبيد :


عريت وكان بها الجميع فأبكروا منها وغودر نؤيها وثمامها

وبذلك استعمل توكيدا مثل ( كل ) و ( أجمع ) قال تعالى يوم يبعثهم الله جميعا في سورة المجادلة . وقد وقع ( جميعا ) هنا حالا من الأرض واسم الأرض مؤنث فكان تجريد ( جميع ) من علامة التأنيث جريا على الوجه الغالب في جريان فعيل بمعنى مفعول على موصوفه ، وقد تلحقه علامة التأنيث كقول امرئ القيس :

[ ص: 62 ]

فلو أنها نفس تموت جميعة     ولكنها نفس تساقط أنفسا

وانتصب ( جميعا ) هنا على الحال من الأرض وتقدم نظيره آنفا في قوله قل لله الشفاعة جميعا .

والقبضة بفتح القاف المرة من القبض ، وتقدم في قوله فقبضت قبضة من أثر الرسول في سورة طه .

والإخبار عن الأرض بهذا المصدر الذي هو بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق للمبالغة في الاتصاف بالمعنى المصدري ، وإنما صيغ لها وزن المرة تحقيرا لها في جانب عظمة ملك الله تعالى ، وإنما لم يجأ بها مضمومة القاف بمعنى الشيء المقبوض لئلا تفوت المبالغة في الاتصاف ، ولا الدلالة على التحقير فالقبضة مستعارة للتناول استعارة صريحة ، والقبضة تدل على تمام التمكن من المقبوض وأن المقبوض لا تصرف له ولا تحرك .

وهذا إيماء إلى تعطيل حركة الأرض وانقماع مظاهرها إذ تصبح في عالم الآخرة شيئا موجودا لا عمل له وذلك بزوال نظام الجاذبية وانقراض أسباب الحياة التي كانت تمد الموجودات الحية على سطح الأرض من حيوان ونبات .

وطي السماوات : استعارة مكنية لتشويش تنسيقها واختلال أبعاد أجرامها فإن الطي رد ولف بعض شقق الثوب أو الورق على بعض بعد أن كانت مبسوطة منتشرة على نسق مناسب للمقصود من نشره فإذا انتهى المقصود طوي المنشور ، قال تعالى " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول خلق نعيده " .

وإثبات الطي تخييل .

والباء في ( بيمينه ) للآلة والسببية .

واليمين : وصف لليد ولا يد هنا وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين قال الشاعر أنشده الفراء والمبرد ، قال القرطبي :


ولما رأيت الشمس أشرق نورها     تناولت منها حاجتي بيمين

[ ص: 63 ] أي بقدرة . وضمير ( منها ) يعود على مذكور في أبيات قبله .

والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في قبضته ومن كانت السماوات مطوية أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيل ، وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين ، وفيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامها المعهود اعتراه تعطيل ، وفي الصحيح عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول :

يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ، وعن عبد الله بن مسعود قال :

جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إنا نجد أن الله جعل السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع . فيقول أنا الملك ، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون . .

ومعنى قوله : ثم قرأ هذه الآية ، نزلت قبل ذلك لأنها مما نزل بمكة . والحبر من أحبار يهود المدينة ، وقول الراوي : تصديقا لقول الحبر ، مدرج في الحديث من فهم الراوي كما جزم أبو العباس القرطبي في كتابه ( المفهم على صحيح مسلم ) ، وقال الخطابي روى هذا الحديث غير واحد عن عبد الله بن مسعود من طريق عبيدة فلم يذكروا قوله تصديقا لقول الحبر ، ولعله من الراوي ظن وحسبان . اهـ ، أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عبيدة . وإنما كان ضحك النبيء صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة وما قدروا الله حق قدره لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحبر ونظراؤه من الجسمية ، وذلك معروف من اعتقادهم وقد رده القرآن عليهم غير مرة مما هو معلوم فلم يحتج النبيء صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بإبطاله واكتفى بالإشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف .

[ ص: 64 ] وفي بعض روايات الحديث فنزل قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره وهو وهم من بعض رواته وكيف وهذه مكية وقصة الحبر مدنية ؟

وجملة سبحانه وتعالى عما يشركون إنشاء تنزيه لله تعالى عن إشراك المشركين له آلهة وهو يؤكد جملة وما قدروا الله حق قدره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث