الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع

المطلوب الرابع : قوله : ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ) .

واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل ، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها ، فقال : ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ) والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل ، وما نعلن من البكاء ، وقيل : ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب ، وما نعلن : يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع : إلى من تكلنا ؟ فقال : إلى الله أكلكم ، قالت : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذن لا نخشى .

ثم قال : ( وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ) وفيه قولان :

أحدهما : أنه كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام كقوله : ( وكذلك يفعلون ) [ النمل : 34 ] .

والثاني : أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني : وما يخفى على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان ، ولفظ " من " يفيد الاستغراق كأنه قيل : وما يخفى عليه شيء ما .

ثم قال : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) وفيه مباحث :

البحث الأول : اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين - أعني إسماعيل وإسحاق - على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات ، فقيل : لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة ، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة ، وقيل : ولد له إسماعيل لأربع وستين سنة وولد إسحاق لتسعين سنة ، وعن سعيد بن جبير : لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ذكر قوله : ( على الكبر ) لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة ، والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم .

فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحاق ، فكيف يمكنه أن يقول : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) ؟

قلنا : قال القاضي : هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء . ويمكن أيضا أن يقال : إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق ، وإن كان ظاهر الروايات بخلافه .

البحث الثاني : " على " في قوله : ( على الكبر ) بمعنى مع كقول الشاعر :


إني على ما ترين من كبري أعلم من حيث يؤكل الكتف



وهو في موضع الحال ، ومعناه : وهب لي في حال الكبر .

البحث الثالث : في المناسبة بين قوله : ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ) [ ص: 110 ] وبين قوله : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب ، بل قال : ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ) أي إنك تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا ، ثم قال : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) وذلك يدل ظاهرا على أنهما يبقيان بعد موته ، وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض ، وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء ، قال عليه السلام حاكيا عن ربه أنه قال : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " . ثم قال : ( إن ربي لسميع الدعاء ) .

واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح والتصريح قال : ( إن ربي لسميع الدعاء ) أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح . وقوله : " سميع الدعاء " من قولك : سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ، ومنه : سمع الله لمن حمده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث