الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

مناسبة اتصال هذا الكلام بما قبله أن أهم ما جادلوا فيه من آيات الله هي الآيات المثبتة للبعث وجدالهم في إثبات البعث هو أكبر شبهة لهم ضللت أنفسهم [ ص: 176 ] وروجوها في عامتهم فقالوا " أئذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد " . فكانوا يسخرون من النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأجل ذلك وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة ، ولما كانوا مقرين بأن الله هو خالق السماوات والأرض أقيمت عليهم الحجة على إثبات البعث بأن بعث الأموات لا يبلغ أمره خلق السماوات والأرض بالنسبة إلى قدرة الله تعالى .

والكلام مؤذن بقسم مقدر لأن اللام لام جواب القسم ، والمقصود : تأكيد الخبر .

ومعنى أكبر أنه أعظم وأهم وأكثر متعلقات قدرة بالقادر عليه لا يعجز عن خلق ناس يبعثهم للحساب .

فالمراد بالناس في قوله من خلق الناس الذين يعيد الله خلقتهم كما بدأهم أول مرة ويودع فيهم أرواحهم كما أودعها فيهم أول مرة . والخبر مستعمل في غير معناه لأن كون خلقها أكبر هو أمر معلوم وإنما أريد التذكير والتنبيه عليه لعدم جريهم على موجب علمهم به .

وموقع الاستدراك في قوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ما اقتضاه التوكيد بالقسم من اتضاح أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس .

فالمعنى : أن حجة إمكان البعث واضحة ولكن الذين ينكرونها لا يعلمون ، أي لا يعلمون الدليل لأنهم متلاهون عن النظر في الأدلة مقتنعون ببادئ الخواطر التي تبدو لهم فيتخذونها عقيدة دون بحث عن معارضها ، فلما جروا على حالة انتقاء العلم نزلوا منزلة من لا علم لهم فلذلك نزل فعل يعلمون منزلة اللازم ولم يذكر له مفعول .

فالمراد ب أكثر الناس هم الذين يجادلون في آيات البعث وهم المشركون ، وأما الذين علموا ذلك فهم المؤمنون وهم أقل منهم عددا .

وإظهار لفظ الناس في قوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون مع أن [ ص: 177 ] مقتضى الظاهر الإضمار ، لتكون الجملة مستقلة بالدلالة فتصلح لأن تسير مسير الأمثال ، فالمعنى أنهم أنكروا البعث لاستبعادهم خلق الأجسام مع أن في خلق السماوات والأرض ما لا يبقى معه استبعاد مثل ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث