الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الأصم

محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان ، الإمام المحدث مسند [ ص: 453 ] العصر ، رحلة الوقت ، أبو العباس الأموي مولاهم ، السناني المعقلي النيسابوري الأصم ولد المحدث الحافظ أبي الفضل الوراق

كان أبوه من أصحاب إسحاق ابن راهويه ، وعلي بن حجر ، وكان كما قال أبو عبد الله الحاكم : من أحسن الناس خطا ، روى عنه : محمد بن مخلد الثوري ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم ، ومحمد بن القاسم العتكي ، وابنه أبو العباس الأصم . ومات سنة سبع وسبعين ومائتين .

وقد ارتحل بابنه أبي العباس إلى الآفاق ، وسمعه الكتب الكبار .

فسمع من : أحمد بن يوسف السلمي ، وأحمد بن الأزهر ، وكان خاتمة أصحابهما بها لكنه عدم سماعه منهما ، وسمع بأصبهان من هارون بن سليمان ، وأسيد بن عاصم ، وببغداد من زكريا بن يحيى أسد المروزي ، صاحب سفيان بن عيينة ، وعباس الدوري ، ومحمد بن إسحاق الصغاني ، ويحيى بن أبي طالب ، ومحمد بن عبيد الله بن المنادي ، وعدة . وبمصر من : محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، والربيع بن سليمان المرادي ، وبحر بن نصر الخولاني وأقرانهم ، وبدمشق من : محمد بن هشام بن ملاس النميري ، ويزيد بن عبد الصمد ، وأبي زرعة النصري . وببيروت من : [ ص: 454 ] العباس بن الوليد العذري . وبالكوفة من : أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي ، والحسن بن علي بن عفان العامري .

وحدث " بكتاب الأم " للشافعي عن الربيع . وطال عمره وبعد صيته ، وتزاحم عليه الطلبة . وجميع ما حدث به إنما رواه من لفظه ; فإن الصمم لحقه وهو شاب له بضع وعشرون سنة ، بعد رجوعه من الرحلة ، ثم تزايد به ، واستحكم بحيث إنه لا يسمع نهيق الحمار ، وقد حدث في الإسلام ستا وسبعين سنة .

حدث عنه : الحسين بن محمد بن زياد القباني ، وأبو حامد الأعمش -وهما أكبر منه- وحسان بن محمد الفقيه ، وأبو أحمد بن عدي ، وأبو عمرو بن حمدان ، والحافظ أبو علي النيسابوري ، والإمام أبو بكر الإسماعيلي ، وأبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ، وأبو عبد الله بن منده ، وأبو عبد الله الحاكم ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وعبد الله بن يوسف الأصبهاني ، وأبو طاهر بن محمش ، ويحيى بن إبراهيم المزكي ، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج ، وأبو صادق محمد بن أحمد بن أبي الفوارس العطار ، والفقيه أبو نصر محمد بن علي الشيرازي ، وأبو بكر محمد بن محمد بن رجاء الأديب ، وأبو العباس أحمد بن محمد الشاذياخي ، وأبو نصر أحمد بن علي بن أحمد بن شبيب الفامي ، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن علي بن معاوية العطار ، وإسحاق بن محمد بن يوسف السوسي ، والحسن بن محمد بن حبيب المفسر ، وسعيد بن محمد بن محمد بن عبدان ، وأبو الطيب سهل بن [ ص: 455 ] محمد بن سليمان الصعلوكي ، وأبو أحمد عبد الله بن محمد بن حسن المهرجاني ، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حامد أحمد بن إبراهيم المقرئ ، وعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن بالويه المزكي ، وعبيد بن محمد بن محمد بن مهدي القشيري ، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي الإسفراييني المقرئ ، وأبو الحسين علي بن محمد السبعي ، وأبو القاسم علي بن الحسن الطهماني ، وأبو نصر منصور بن الحسين المقرئ ، والقاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي الحيري ، وأبو بكر محمد بن علي بن محمد بن حيد ، وأبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، وعلي بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي الطرازي ، ومحمد بن إبراهيم بن جعفر الجرجاني ، وأمم سواهم ، وآخرون .

روى عنه في الدنيا بالإجازة أبو نعيم الحافظ .

قال الحاكم : كان يكره أن يقال له : الأصم ، فكان إمامنا أبو بكر بن إسحاق الصبغي يقول : المعقلي ، قال : وإنما حدث به الصمم بعد انصرافه من الرحلة ، وكان محدث عصره ، ولم يختلف أحد في صدقه وصحة سماعاته ، وضبط أبيه يعقوب الوراق لها ، وكان يرجع إلى حسن مذهب وتدين .

وبلغني أنه أذن سبعين سنة في مسجده ، قال : وكان حسن الخلق ، سخي النفس ، وربما كان يحتاج إلى الشيء لمعاشه ، فيورق ، ويأكل من كسب يده ، وهذا الذي يعاب به ، من أنه كان يأخذ على [ ص: 456 ] الحديث وإنما كان يعيبه به من لا يعرفه ; فإنه كان يكره ذلك أشد الكراهة ولا يناقش أحدا فيه ، وإنما كان وراقه وابنه يطلبان الناس بذلك ، فيكره هو ذلك ، ولا يقدر على مخالفتهما .

سمع منه : الآباء والأبناء والأحفاد وكفاه شرفا أن يحدث طول تلك السنين ، ولا يجد أحد فيه مغمزا بحجة ، وما رأينا الرحلة في بلاد من بلاد الإسلام أكثر منها إليه ، فقد رأيت جماعة من أهل الأندلس ، وجماعة من أهل طراز وإسبيجاب على بابه ، وكذا جماعة من أهل فارس ، وجماعة من أهل الشرق .

سمعته غير مرة يقول : ولدت سنة سبع وأربعين ومائتين .

ورحل به أبوه على طريق أصبهان في سنة خمس وستين ، فسمع بها ولم يسمع بالأهواز ولا البصرة حرفا ، ثم حج ، وسمع بمكة من : أحمد بن شيبان الرملي ، صاحب ابن عيينة ، سمع بها منه فقط ، وسمع بمصر وعسقلان وبيروت ودمياط وطرسوس ، سمع بها من أبي أمية الطرسوسي ، وسمع بحمص من محمد بن عوف ، وأبي عتبة أحمد بن الفرج ، وبالجزيرة من : محمد بن علي بن ميمون الرقي . وسمع المغازي من لفظ العطاردي ، [ ص: 457 ] وسمع مصنفات عبد الوهاب بن عطاء من يحيى بن أبي طالب ، وسمع مصنفات زائدة و " السنن " لأبي إسحاق الفزاري عن أبي بكر الصاغاني ، وسمع " العلل " لعلي ابن المديني من حنبل وسمع " معاني القرآن " من محمد بن الجهم السمري ، وسمع " التاريخ " من عباس الدوري . ثم انصرف إلى خراسان ، وهو ابن ثلاثين سنة .

سمعته يقول : حدثت بكتاب " معاني القرآن " في سنة نيف وسبعين ومائتين .

قال الحافظ أبو حامد الأعمشي : كتبنا عن أبي العباس بن يعقوب الوراق في مجلس محمد بن عبد الوهاب الفراء سنة خمس وسبعين ومائتين .

الحاكم : سمعت محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة ، سمعت جدي ، وسئل عن سماع " كتاب المبسوط " من أبي العباس الأصم ، فقال : اسمعوا منه ; فإنه ثقة ، قد رأيته يسمع مع أبيه بمصر ، وأبوه يضبط سماعه .

الحاكم : سمعت يحيى بن منصور القاضي ، سمعت أبا نعيم بن عدي ، واجتمع جماعة يسألونه المقام بنيسابور لقراءة " المبسوط " ، فقال : يا سبحان الله ! عندكم راوي هذا الكتاب الثقة المأمون أبو العباس [ ص: 458 ] الأصم ، وأنتم تريدون أن تسمعوه من غيره .

أبو أحمد الحاكم : سمعت ابن أبي حاتم يقول : ما بقي " لكتاب المبسوط " راو غير أبي العباس الوراق ، وبلغنا أنه ثقة صدوق .

أبو عبد الله الحاكم : حضرت أبا العباس يوما في مسجده ، فخرج ليؤذن لصلاة العصر ، فوقف موضع المئذنة ، ثم قال بصوت عال ، أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، ثم ضحك ، وضحك الناس ، ثم أذن .

قال الحاكم : سمعت الأصم ، وقد خرج ونحن في مسجده ، وقد امتدت السكة من الناس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثلاثمائة .

وكان يملي عشية كل يوم اثنين من أصوله ، فلما نظر إلى كثرة الناس والغرباء وقد قاموا يطرقون له ، ويحملونه على عواتقهم من باب داره إلى مسجده ، فجلس على جدار المسجد ، وبكى طويلا ، ثم نظر إلى المستملي ، فقال : اكتب : سمعت محمد بن إسحاق الصغاني يقول : سمعت الأشج ، سمعت عبد الله بن إدريس يقول : أتيت يوما باب الأعمش بعد موته فدققت الباب ، فأجابتني جارية عرفتني : هاي هاي ; [ تبكي ] يا عبد الله ، ما فعل جماهير العرب التي كانت تأتي هذا الباب ؟ ثم بكى الكثير ، ثم قال : كأني بهذه السكة لا يدخلها أحد [ ص: 459 ] منكم ; فإني لا أسمع وقد ضعف البصر ، وحان الرحيل ، وانقضى الأجل فما كان إلا بعد شهر أو أقل منه حتى كف بصره ، وانقطعت الرحلة ، وانصرف الغرباء ، فرجع أمره إلى أنه كان يناول قلما ، فيعلم أنهم يطلبون الرواية ، فيقول : حدثنا الربيع ، وكان يحفظ أربعة عشر حديثا ، وسبع حكايات ، فيرويها . وصار بأسوأ حال حتى توفي .

وقرأت بخط أبي علي الحافظ يحث أبا العباس الأصم على الرجوع عن أحاديث أدخلوها عليه ، حديث الصغاني عن علي بن حكيم ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن هشام بن عروة ، حديث " قبض العلم " وحديث أحمد بن شيبان ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية . . . [ ص: 460 ] .

قال : فوقع أبو العباس : كل من روى عني هذا ، فهو كذاب ، وليس هذا في كتابي .

توفي أبو العباس في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة .

ومات أبوه سنة سبع وسبعين ومائتين بنيسابور في أولها عن نحو ستين سنة ، وكان ذا معرفة وفهم .

حدث عن : إسحاق ابن راهويه ، ومحمد بن حميد ، وعدة .

وعنه : ابنه ، وابن أبي حاتم ، ومحمد بن مخلد ، وكان بديع الخط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث