الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد

وقالوا كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات إيذانا بأن ما ذكر من عدم شكرهم تلك النعم موجب للإعراض عنهم، وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة، وروي أن القائل أبي بن خلف فضمير الجمع لرضا الباقين بقوله أإذا ضللنا في الأرض أي ضعنا فيها بأن صرنا ترابا مخلوطا بترابها بحيث لا نتميز منه، فهو من ضل المتاع إذا ضاع، أو غبنا فيها بالدفن، وإن لم نصر ترابا، وإليه ذهب قطرب، وأنشد قول النابغة يرثي النعمان بن المنذر:


وآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل



[ ص: 125 ] وقرأ يحيى بن يعمر، وابن محيصن، وأبو رجاء، وطلحة، وابن وثاب «ضللنا» بكسر اللام، ويقال: ضل يضل كضرب يضرب، وضل يضل كعلم يعلم، وهما بمعنى، والأول اللغة المشهورة الفصيحة وهي لغة نجد، والثاني لغة أهل العالية. وقرأ أبو حيوة: (ضللنا) بضم الضاد المعجمة وكسر اللام، ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه.

وقرأ الحسن ، والأعمش، وأبان بن سعيد بن العاصي: «صللنا» بالصاد المهملة وفتح اللام، ونسبت إلى علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعن الحسن : أنه كسر اللام، ويقال فيه نحو ما يقال في ضل بالضاد المعجمة، وزيادة أصل بالهمزة كأفعل، قال الفراء: والمعنى صرنا بين الصلة، وهي الأرض اليابسة الصلبة كأنها من الصليل، لأن اليابس الصلب إذا انشق يكون له صليل. وقيل: أنتنا من الصلة، وهو النتن، وقيل للأرض الصلة لأنها است الدنيا، وتقول العرب ضع الصلة على الصلة، وقال النحاس: لا نعرف في اللغة صللنا، ولكن يقال: أصل اللحم وصل، وأخم وخم إذا نتن، وهذا غريب منه. وقرأ ابن عامر «إذا» بترك الاستفهام، والمراد الإخبار على سبيل الاستهزاء والتهكم، والعامل في «إذا» ما دل عليه قوله تعالى: أإنا لفي خلق جديد وهو نبعث، أو يجدد خلقنا، ولا يصح أن يكون هو العامل لمكان الاستفهام، وإن وكل منهما لا يعمل ما بعده فيما قبله، ويعتبر ما ذكر من نبعث أو يجدد خلقنا جوابا (لإذا)، إذا اعتبرت شرطية لا ظرفية محضة، والهمزة للإنكار، والمراد تأكيد الإنكار لا إنكار التأكيد، كما هو المتبادر من تقديمها على أداته، فإنها مؤخرة عنها في الاعتبار، وتقديمها عليها لقوة اقتضائها الصدارة.

وقرأ نافع، والكسائي، ويعقوب «إنا» بترك الاستفهام على نحو ما ذكر آنفا، بل هم بلقاء ربهم كافرون إضراب وانتقال عن بيان كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أبلغ، وأشنع منه، وهو كفرهم بلقاء ملائكة ربهم عند الموت، وما يكون بعده جميعا، وقيل: هو إضراب وترق من التردد في البعث واستبعاده إلى الجزم بجحده بناء على أن لقاء الرب كناية عن البعث، ولا يضر فيه على ما قال الخفاجي كون الاستفهام السابق إنكاريا، وهو يؤول إلى الجحد، فتأمل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث