الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ترجي من تشاء منهن قالت عائشة : يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك فقوله: من اللاتي وهبن أنفسهن صريح في تعددهن، وأنكر بعضهم وقوع الهبة، وقيل: إن قوله تعالى: إن وهبت يشير إلى عدم وقوعها وأنها أمر مفروض، وكذا تنكير امرأة فالمراد الإعلام بالإحلال في هذه الصورة إن اتفقت وأنكر بعضهم القبول.

أخرج ابن سعد عن ابن أبي عون أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ووهبن نساء أنفسهن فلم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحدا، وما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له، يحتمل نفي القبول ويحتمل نفي الهبة، وإيراده صلى الله عليه وسلم في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات للتكرمة والإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه الصلاة والسلام حسب اختصاصها به كما ينطق به قوله تعالى: خالصة لك من دون المؤمنين ويتضمن ذلك الإشارة إلى أن هبة من تهب لم تكن حرصا على الرجال وقضاء الوطر بل على الفوز بشرف خدمته صلى الله عليه وسلم والنزول في معدن الفضل، وبذلك يعلم أن قول عائشة : ما في امرأة وهبت نفسها لرجل خير، وكذا اعتراضها السابق صادر من شدة غيرتها رضي الله تعالى عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بدع فالمحب غيور، وقد قال بعض المحبين:


أغار إذا آنست في الحي أنة حذارا وخوفا أن تكون لحبه



ونصب خالصة على أنه مصدر مؤكد للجملة قبله، وفاعله في المصادر على ما قال الزمخشري غير عريز كالعافية والكاذبة، وادعى أبو حيان عزتها، والكثير على تعلق ذلك بإحلال الواهبة، أي خلص لك إحلالها خالصة أي خلوصا، وقال الزجاج : هو حال من امرأة لتخصصها بالوصف أي أحللناها خالصة لك لا تحل لأحد غيرك في الدنيا والآخرة، وقال أبو البقاء : هو حال من ضمير وهبت أو صفة لمصدر محذوف، أي هبة خالصة.

وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ذاك خلوص لك وخصوص، أو هي أي تلك المرأة أو الهبة خالصة لك لا تتجاوز المؤمنين.

واستدل الشافعية رضي الله تعالى عنهم به على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختص باللفظ، وقال بعض أجلة أصحابنا في ذلك: إن المراد بالهبة في الآية تمليك المتعة بلا عوض بأي لفظ كان لا تمليكها بلفظ وهبت نفسي، فحيث لم يكن ذلك نصا في التمليك بهذا اللفظ لم يصلح لأن يكون مناطا للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة إيجابا وسلبا، ومعنى خلوص الإحلال المذكور له صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين كونه متحققا في حقه غير متحقق في حقهم إذ لا بد في [ ص: 61 ] الإحلال لهم من مهر المثل.

وظاهر كلام العلامة ابن الهمام اعتبار لفظ الهبة حيث قال في الفتح: قد ورد النكاح بلفظ الهبة وساق الآية ثم قال: والأصل عدم الخصوصية حتى يقوم دليلها، وقوله تعالى: خالصة لك يرجع إلى عدم المهر بقرينة إعقابه بالتعليل بنفي الحرج فإن الحرج ليس في ترك لفظ إلى غيره خصوصا بالنسبة إلى أفصح العرب بل في لزوم المال، وبقرينة وقوعه في مقابلة المؤتى أجورهن فصار الحاصل أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهن والتي وهبت نفسها لك فلم تأخذ مهرا خالصة هذه الخصلة لك من دون المؤمنين، أما هم فقد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم إلخ من المهر وغيره.

وأبدى صدر الشريعة جواز كونه متعلقا ب (أحللنا) قيدا في إحلال أزواجه له صلى الله عليه وسلم لإفادة عدم حلهن لغيره صلى الله عليه وسلم انتهى.

وجوز بعضهم كونه قيدا في إحلال الإماء أيضا لإفادة عدم حل إمائه كأزواجه لأحد بعده عليه الصلاة والسلام، وبعض آخر كونه قيدا لإحلال جميع ما تقدم على القيود المذكورة أي خلص إحلال ما أحللنا لك من المذكورات على القيود المذكورة خلوصها من دون المؤمنين، فإن إحلال الجميع على القيود المذكورة غير متحقق في حقهم بل المتحقق فيه إحلال بعض المعدود على الوجه المعهود، واختاره الزمخشري .

وأيا ما كان فقوله تعالى: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم اعتراض بين المتعلق والمتعلق، والأول على جميع الأوجه قوله سبحانه: لكيلا يكون عليك حرج والثاني على الوجه الأخير وهو تعلق (خالصة) بجميع ما سلف من الإحلالات الأربع قوله تعالى خالصة وهو مؤكد معنى اختصاصه عليه الصلاة والسلام بما اختص به بأن كلا من الاختصاص عن علم وأن هذه الحظوة مما يليق بمنصب الرسالة فحسب، فالمعنى أن الله تعالى قد علم ما ينبغي من حيث الحكمة فرضه على المؤمنين في حق الأزواج والإماء وعلى أي حد وصفة ينبغي أن يفرض عليهم ففرضه واختصك سبحانه بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل في دنياك حيث أحل جل شأنه لك أجناس المنكوحات وزاد لك الواهبة نفسها من غير عوض لئلا يكون عليك ضيق في دينك، وهو على الوجه الأول الذي ذكرناه وهو تعلق (خالصة) بالواهبة خاصة قوله عز وجل: إنا أحللنا وهو الذي استظهره أبو حيان ، وأمر الاعتراض عليه في حاله، وبعضهم يجعل المتعلق خالصة على سائر الأوجه والتعلق به باعتبار ما فيه من معنى ثبوت الإحلال وحصوله له صلى الله عليه وسلم لا باعتبار اختصاصه به عليه الصلاة والسلام لأن مدار انتفاء الحرج هو الأول لا الثاني الذي هو عبارة عن عدم ثبوته لغيره صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن عطية : إن لكيلا إلخ متعلق بمحذوف، أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لئلا يكون عليك حرج ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك عز وجل، فلا اعتراض على هذا، ولا يخلو عن اعتراض، فتدبر ولا تغفل.

وكان الله غفورا أي كثير المغفرة فيغفر ما يشاء مما يعسر التحرز عنه وغيره رحيما أي وافر الرحمة، ومن رحمته سبحانه أن وسع الأمر في مواقع الحرج.

ترجي من تشاء منهن أي تؤخر من تشاء من نسائك وتترك مضاجعتها وتؤوي إليك من تشاء وتضم إليك من تشاء منهن وتضاجعها، وروي هذا عن قتادة ، وعن ابن عباس والحسن : أي تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء، وقال بعضهم: الإرجاء والإيواء [ ص: 62 ] لإطلاقهما يتناولان ما في التفسيرين وما ذكر فيهما فإنما هو من باب التمثيل ولا يخلو عن حسن، وفي رواية عن الحسن أن ضمير منهن لنساء الأمة، والمعنى تترك نكاح من تشاء من نساء أمتك فلا تنكح، وتنكح منهن من تشاء، وقال: كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتركها.

وعن زيد بن أسلم والطبري أنه للواهبات أنفسهن، أي تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، وعن الشعبي ما يقتضيه، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي في السنن وغيرهما عنه قال: كن نساء وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن فلم يقربن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك ، فذلك قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ويشهد لما تقدم من رجوعه إلى النساء ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي رزين، قال: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله تعالى الآية، أرجأ منهن نسوة، وكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة ، وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهن أجمعين.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر «ترجئ» بالهمزة وهو عند الزجاج أجود، والمعنى واحد.

ومن ابتغيت أي طلبت ممن عزلت أي تجنبت، وحمل هذا التجنب على ما كان بطلاق، ومن شرطية منصوبة بما بعدها، وقوله تعالى: فلا جناح عليك جوابها أي من طلبتها ممن طلقت فليس عليك إثم في طلبها، أو موصولة والجملة خبرها أي والتي طلبتها لا جناح عليك في طلبها، والمراد نفي أن يكون عليه - عليه الصلاة والسلام - إثم في إرجاع المطلقة، وقيل من موصولة معطوفة على من تشاء الثاني، والمراد به غير المطلقة، ومعنى فلا جناح عليك فلا إثم عليك في شيء مما ذكر من الأرجاء والإيواء والابتغاء، والمراد تفويض ذلك إلى مشيئته صلى الله عليه وسلم.

وقال بعضهم: المراد به ما كان بترك مضاجعة بدون طلاق، والمقصود من الآية بيان أن له صلى الله عليه وسلم ترك مضاجعة من شاء من نسائه ومضاجعة من شاء منهن أي ممن لم يكن أرجأها وترك مضاجعتها والرجوع إلى مضاجعة من ترك مضاجعتها واعتزلها فمن عزل هي المرجأة، وأفاد صاحب الكشاف أن الآية متضمنة قسمة جامعة لما هو الفرض لأنه صلى الله عليه وسلم إما أن يطلق وإما أن يمسك وإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها، وانفهام الطلاق والإمساك بأقسامه بواسطة إطلاق الأرجاء والإيواء في قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن وتؤوي وانفهام ابتغاء المعزولة من قوله سبحانه ومن ابتغيت الخ، ومتى فهم أن لا جناح في ابتغاء المعزولة بالطلاق وردها إلى النكاح فهم منه أن رفع النكاح في عدم ردها من طريق الأولى ولقد أجاد فيما أفاد.

وجوز بعضهم أن يكون من مبتدأ وفي الكلام معطوف وخبر محذوفان، أي ومن ابتغيت ممن عزلت ومن لم تعزل سواء، وقوله سبحانه: فلا جناح عليك تأكيد لذلك ولا يخفى بعده وتعسفه، وقال الحسن : معنى ومن ابتغيت إلخ من مات من نسائك اللواتي عندك أو خليت سبيلها فلا جناح عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك فلا تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك كذا في البحر، وكأنه جعل من للبدل كالتي في قوله تعالى: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة [التوبة: 38] ومن عزلت شاملا لمن ماتت ومن طلقت وكلاهما بعيد، وثانيهما [ ص: 63 ] أبعد من أولهما بكثير، ومثله اعتبار ما اعتبره من القيود وبالجملة هو قول تبعد نسبته إلى الحسن، وأبعد من ذلك نسبته إلى ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما في (الدر المنثور).

ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن أي تفويض الأمر إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعا لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهن، وروي هذا عن قتادة ، والمراد بما آتيتهن عليه ما صنعت معهن فيتناول ترك المضاجعة والقسم، وعن ابن عباس ومجاهد أن المعنى أنهن إذا علمن أن لك ردهن إلى فراشك بعد ما اعتزلتهن قرت أعينهن ولم يحزن ويرضين بما تفعله من التسوية والتفضيل لأنهن يعلمن أنك لم تطلقهن، وظاهره جعل المشار إليه العلم بأن له صلى الله عليه وسلم الإيواء، وأظهر منه في ذلك قول الجبائي ذلك العلم منهن بأنك إذا عزلت واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى لسرورهن وقرة أعينهن.

وقال بعض الأجلة: كون الإشارة إلى التفويض أنسب لفظا لأن ذلك للبعيد وكونها إلى الإيواء أنسب معنى، لأن قرة عيونهن بالذات إنما هي بالإيواء فلا تغفل، والأعين جمع قلة وأريد به هاهنا جمع الكثرة وكأن اختياره لأنه أوفق بكمية الأزواج، وقرأ ابن محيصن «تقر» من أقر وفاعله ضميره صلى الله عليه وسلم «أعينهن» بالنصب على المفعولية.

وقرئ «تقر» مبنيا للمفعول وأعينهن بالرفع نائب الفاعل، و كلهن بالرفع في جميع ذلك وهو توكيد لنون ( يرضين ) .

وقرأ أبو إياس جوية بن عائذ «كلهن» بالنصب تأكيدا لضميره في «آتيتهن» قال ابن جني : وهذه القراءة راجعة إلى معنى قراءة العامة كلهن بضم اللام، وذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين كلهن على انفرادهن واجتماعهن، فالمعنيان إذن واحد إلا أن للرفع معنى وذلك أن فيه إصراحا من اللفظ بأن يرضين كلهن، والإصراح في القراءة الشاذة إنما هو في إتيانهن وإن كان محصول الحال فيهما واحدا مع التأويل انتهى.

وقال الطيبي في توكيد الفاعل دون المفعول إظهار لكمال الرضا منهن وإن لم يكن الإيتاء كاملا سويا، وفي توكيد المفعول إظهار أنهن مع كمال الإيتاء غير كاملات في الرضا والأول أبلغ في المدح لأن فيه معنى التتميم وذلك أن المؤكد يرفع إيهام التجوز عن المؤكد انتهى فتأمل.

والله يعلم ما في قلوبكم خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأزواجه المطهرات على سبيل التغليب، والمراد بما في القلوب عام ويدخل فيه ما يكون في قلوبهن من الرضا بما دبر الله تعالى في حقهن من تفويض الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ومقابل ذلك وما في قلبه الشريف عليه الصلاة والسلام من الميل إلى بعضهن دون بعض، والكلام بعث على الاجتهاد في تحسين ما في القلوب، ولعل اعتباره صلى الله عليه وسلم في الخطاب لتطييب قلوبهن، وفي الكشاف أن هذا وعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله تعالى من ذلك وفوض سبحانه إلى مشيئة رسوله عليه الصلاة والسلام وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطيب نفسه الكريمة، والظاهر أنه غير قائل بدخوله صلى الله عليه وسلم في الخطاب، وحينئذ فإما أن يقول: إنه عام لهن ولسائر المؤمنين، وإما أن يقول بأنه خاص بهن، ولعله ظاهر كلامه وعليه لا يظهر وجهه التذكير، وربما يقال على الأول: إن المقام غير ظاهر في اقتضاء دخول سائر المؤمنين في الخطاب، وقال ابن عطية : الإشارة بذلك هاهنا إلى ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص ويدخل في المعنى المؤمنون، وربما يتخيل أن الخطاب لجميع المكلفين والكلام بعث على تحسين [ ص: 64 ] ما في القلوب في شأن ما دبر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في أمر أزواجه ونفي الخواطر الرديئة بأن يظن أن ذاك هو الذي تقتضيه الحكمة وأنه دليل على كمال المحبوبية، ولا يتوهم خلافه فإن بعض الملحدين طعنوا كالنصارى في كثرة تزوجه عليه الصلاة والسلام وكونه في أمر النساء على حال لم يبح لأمته من حل جمع ما فوق الأربع وعدم التقيد بالقسم لهن مثلا، وزعموا أن في ذلك دليلا على غلبة القوة الشهوية فيه عليه الصلاة والسلام وذلك مناف لتقدس النفس الذي هو من شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فجزموا والعياذ بالله تعالى بنفي نبوته وأن ما فعله صلى الله عليه وسلم لم يكن منه تعالى بل ليس ذلك إلا منه عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن قائلي ذلك على كفرهم جهلة بمراتب الكمال صم عن سماع آثاره عليه الصلاة والسلام، ومن سبر الأخبار علم أنه صلى الله عليه وسلم أكمل الأنبياء على الإطلاق لغاية كمال بشريته وملكيته، وآثار الكمال الأول تزوج ما فوق الأربع والطواف عليهن كلهن في الليلة الواحدة، وآثار الكمال الثاني أنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان يبيت ويصبح لا يأكل ولا يشرب وهو على غاية من القوة وعدم الاكتراث بترك ذلك وليس لأحد من الأنبياء عليهم السلام اجتماع هذين الكمالين حسب اجتماعهما فيه عليه الصلاة والسلام، ولتكثره النساء حكمة دينية جليلة أيضا وهي نشر أحكام شرعية لا تكاد تعلم إلا بواسطتهن مع تشييد أمر نبوته فإن النساء لا يكدن يحفظن سرا وهن أعلم الناس بخفايا أزواجهن فلو وقف نساؤه عليه الصلاة والسلام على أمر خفي منه يخل بمنصب النبوة لأظهرنه، وكيف يتصور إخفاؤه بينهن مع كثرتهن‘ وكل سر جاوز الاثنين شاع. وفي عدم إيجاب القسم عليه - عليه الصلاة والسلام - تأكيد لذلك كما لا يخفى على المنصف.

وكان الله عليما مبالغا في العلم فيعلم كل ما يبدي ويخفي حليما مبالغا في الحلم فلا يعجل سبحانه بمقابلة من يفعل خلاف ما يحب حسبما يقتضيه فعله من عتاب أو عقاب أو فيصفح عما يغلب على القلب من الميول ونحوها، هذا وفي البحر اتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل بين أزواجه المطهرات في القسمة حتى مات ولم يستعمل شيئا مما أبيح له ضبطا لنفسه وأخذا بالأفضل غير ما جرى لسودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أنه قال لم يعلم أن رسول الله أرجأ منهن شيئا ولا عزله بعد ما خيرن فاخترنه.

وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ترجي من تشاء منهن فقيل لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له إن كان ذاك إلي فإني لا أريد أن أوثر عليك أحدا، فتأمله مع حكاية الاتفاق السابق، والله تعالى الموفق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث