الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تمهيد

قبل الشروع في الحديث عن وسائل القرآن في إصلاح المجتمع أرى أنه من المناسب أن أمهد لذلك بالحديث عن معنى كلمتي (الإصلاح) و (المجتمع) وعن (مفهوم إصلاح المجتمع) على وجه الإيجاز، مع بيان أهمية إصلاح المجتمع، وبعده العقدي في القرآن الكريم، وذلك على النحو الآتي:

1- التعريف بالإصلاح

عن المدلول اللغوي لكلمة (الإصلاح) يقول ابن فارس [1] : صلح: الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد، يقال: صلح الشيء يصلح صلاحا» [2] .

ويقـول العلامة ابن منظـور [3] : الصلاح ضد الفساد... والإصـلاح نقيض الإفسـاد، والاستصـلاح نقيض الاستفسـاد، [ ص: 31 ] وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه [4] .

وأما في الاصطلاح فقد عرفه بعضهم بقوله: الإصلاح «هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزاء ما طرأ عليه من الفساد» [5] ؛ وعرفه آخرون بأنه: «إرادة الخير وتقويم العوج» [6] .

2- التعريف بالمجتمع

كلمة مجتمع أصلها من: (جمع) ؛ وعن كلمة (جمع) يقول ابن فارس : جمع: الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعا [7] .

وقال ابن منظور : «جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعا... والجمع اسم جماعة الناس... والجميع: الحي المجتمع.. [8] ؛ وفي المعجم الوسيط: «المجتمع: موضع الاجتماع» [9] .

وأما في الاصطلاح: فهنالك تعريفات كثيرة للمجتمع وخلاصتها في التعريف الآتي: المجتمع عبارة عن مجموعة من الأفراد يعيشون سويا في حياة [ ص: 32 ] منظمة، وتربط بينهم مجموعة من الصلات والمبادئ والقيم والأهداف والمصالح المشتركة [10] .

3- مفهوم إصلاح المجتمع

لقد سبق معنا عند التعريف بالإصلاح بيان معناه في اللغة والاصطلاح، وإذا تأملنا في تلك المعاني اللغوية والاصطلاحية فسنجد أن المعنى لا يخرج عن قولنا: إن الإصلاح هو تقويم العوج.. وهذا هو ما نعنيه بإصلاح المجتمع: تقويم اعوجاج المجتمع، أيا كان ذلك الاعوجاج.. وبهذا المعنى يتسع مفهوم إصلاح المجتمع ليشمل جوانب الحياة كلها، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية... فحيثما وجد الاعوجاج والانحراف عن المسار الصحيح، وجب الإصلاح لتقويم الاعوجاج وإصلاح المسار.. ومن المهم لإصلاح المجتمع أن تكون هنالك خطة مرسومة «فالإصلاح لا يحدث بصورة عفوية أو عشوائية، وإنما يحدث بطريقة مخططة تأخذ بعين الاعتبار الوسائل الإجرائية للإصلاح...» [11] . [ ص: 33 ]

4- أهمية إصلاح المجتمع في القرآن الكريم

القرآن كله دعوة إلى إصلاح الحياة الإنسانية، بدءا من إصلاح المعتقدات والأفكار، ومرورا بكل الأنماط السلوكية، وجميع جوانب الحياة الاجتماعية.

والقرآن يقرن بين الإيمان والإصلاح،

كما في قوله تعالى: ( ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ) (الأنعام:48).

ويقرن بين التقوى والإصلاح كما في قوله سبحانه:

( ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ) (الأعراف:35).

وهذا الربط بين الإيمان والتقوى من جهة، والإصلاح من جهة أخرى، لا يخفى أن المقصود منه بيان العلاقة التلازمية بين الإيمان والتقوى والإصلاح.

ودعوات الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، إنما جاءت لإصلاح واقع مجتمعاتهم، وتقويم اعوجاج أقوامهم، وهذا نبي الله شعيب ، عليه السلام، يصرح بتلك الغاية، كما حكى الله تعالى عنه في قوله:

( ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) ) (هود: 88). [ ص: 34 ]

والقرآن يدلل على أهمية ممارسة الإصلاح بذكر آثاره وثماره في حياة المجتمعات، ومن تلك الآثار والثمار التي يذكرها القرآن:

أولا: الإصلاح سبب لدفع الإهلاك عن المجتمعات

قال تعالى: ( ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) ) (هود:117).

قال الإمام أبو المظفر السمعاني ، رحمه الله [12] : «في الآية قولان:

أحدهما: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا تعاطوا الإنصاف فيما بينهم، ولم يظلم بعضهم بعضا.

والثاني: هو أن الله لا يظلم أهل قرية فيهلكهم بلا جناية.. والأول أشهر [13] .

ومما يشهد للمعنى الأول قوله سبحانه: ( ( إن الشرك لظلم عظيم ) ) (لقمان:13).. يقول السيد محمد رشيد رضا ، رحمه الله [14] ، في [ ص: 35 ] تفسيره للآية: «أي وما كان من شأن ربك وسنته في الاجتماع البشري أن يهلك الأمم بظلم منه لها في حال كون أهلها مصلحين في الأرض، مجتنبين للفساد والظلم، وإنما أهلكهم ويهلكهم بظلمهم وإفسادهم فيها» [15] .

ثانيا: الإصلاح سبب لتحقيق الأمن في المجتمعات

فالمجتمع الذي يمارس أفراده الإصلاح، والمراجعة، والتقويم، والنقد الذاتي، ويبادرون إلى إصلاح مكامن الخلل، ومحاصرة الفساد، هو المجتمع الذي يحقق الأمن والاستقرار، والحياة المطمئنة،

قال تعالى: ( ( فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ) (الأعراف:35)،

وقال سبحانه: ( ( فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ) (الأنعام:48)،

فنفى الله الخوف والحزن عمن آمن واتقى وأصلح في عمله...

والقرآن ينذر المجتمعات التي تتخلى عن واجبها في الإصلاح، وتتخاذل في مواجهة الفساد، بفتنة عارمة تجتاح كل شيء.. وتأتي على كل شيء.. ولا تستثني

أحدا.. حتى أولئك الذين لم يشاركوا في صناعة الفساد سوف تضطرب أحـوالهم، وسوف ينالهم نصيبهم غير منقوص من الفتنة، والخوف، والاضطراب، والبلاء، والسوء..

قال تعالى: ( ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ) [ ص: 36 ] (الأنفال:25)، «أي اتقـوا فتنة تتعدى الظـالم، فتصيب الصالح والطالح، ولا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم» [16] .

ولا سبيل لوقاية المجتمع من الفتن العامة التي تزعزع الأمن، وتذهب بالاستقرار، وتشيع الفوضى والاضطراب والخراب، إلا بممارسة الإصلاح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ على يد المفسدين.

ثالثا: الإصلاح سبب لاستجلاب مغفرة الله ورحمته

قال تعالى: ( ( وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ) ) (النساء:129).

وقال سبحانه: ( ( كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) ) (الأنعام:54).

فهذه الآيات تقرر أن الإصلاح سبب لاستجلاب المغفرة والرحمة الإلهية، وضد ذلك الإفسـاد، فإنه سبب لاستجـلاب نقمة الله وعذابه، كما حل بقوم عاد وثمود وفرعون: ( ( الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد ) ) (الفجر:11-14). [ ص: 37 ]

رابعا: إرادة الإصلاح سبب لأن يمد الله العبد بتوفيقه

قال تعالى: ( ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) ) (النساء:35).

( فعن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما، في تفسيره لهذه الآية:... وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب ) [17] .

خامسا: الإصلاح سبب لاستحقاق الوصف بالخيرية

قال تعالى: ( ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ) (آل عمران:110).

فهذه الآية تبين أن هذه الأمة إنما استحقت الوصف بالخيرية لكونها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنوان كبير للإصلاح، ويندرج تحته الأمر بكل خير وصلاح، والنهي عن كل شر وفساد.

وقال سبحانه: ( ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) ) (النساء:114). [ ص: 38 ]

سادسا: الإصلاح سبب للفلاح

قال تعالى: ( ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ) (آل عمران:104).

وحين نتأمل في صفات أهل الفلاح في هذه الآية نجدها صفات المصلحين وهي: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالإصلاح هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة.

5- البعد العقدي لإصلاح المجتمع في المنظور القرآني

القرآن يقرر أن عقيدة جميع الأنبياء والرسل واحدة، وهي عقيدة التوحيد، وإلى تلك العقيدة كانت الدعوة، وفي سبيلها كانت المجاهدة،

يقول تعالى: ( ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ) (النحل:36)،

ويقول سبحانه: ( ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ) (الأنبياء:25).

فالدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإخلاص العبودية له هي القضية المحورية في دعوات جميع الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم، ولذلك رأينا كل رسول يخاطب قومه أول ما يخاطبهم بالدعوة إلى التوحيد،

قال تعالى:

- ( ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) ) (المؤمنون:23).

- ( ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) ) (الأعراف:65). [ ص: 39 ]

- ( ( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ) (الأعراف:73).

- ( ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ) (الأعراف:85).

- وقال جل ذكره مخاطبا خاتم الأنبياء والرسل محمدا عليه الصلاة و السلام: ( ( قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) ) (الأنعام:19).

ومن المهم أن نفهـم كيف دعا الأنبياء إلى عقيدة التوحيد؛ لأن الله أمر بالاقتداء بهم، فقال سبحانه: ( ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) ) (الأنعام:90).

ومن خلال التأمل في القرآن نجد أن الأنبياء جعلوا من عقيدة التوحيد أساسا ومرتكزا لمعالجة فساد مجتمعاتهم، وقد تنوعت أمراض المجتمعات التي بعث فيها الأنبياء: من الاستبداد السياسي ، إلى الظلم الاجتماعي ، إلى الفساد الأخلاقي، إلى الطغيان المادي... الخ

ولكن بقيت عقيدة التوحيد هي الأصل، وهي المرتكز في منهج الإصلاح والتغيير، فالأنبياء لم يقدموا عقيدة التوحيد كمعرفة نظرية جامدة، أو جدلية فكرية شائكة، ولم تكن دعوتهم إلى التوحيد ذات طابع فلسفي تجريدي، ولكنهم جعلوا من تصحيح المعتقد أساسا ومفتاحا لتصحيح السلوك، وربطوا المفاسد الاجتماعية كلها بفساد المعتقد، ومن هنا رأينا الأنبياء، عليهم الصلاة [ ص: 40 ] والسلام، وهم يدعون إلى توحيد الله ويحاربون الشرك والوثنية، يتصدون للاستبداد والظلم والفساد بمختلف صوره وأشكاله، ويسعون في إصلاح أحوال أقوامهم، وهذه بعض الأمثلة والنماذج على ذلك:

النموذج الأول: دعوة نبي الله هود، عليه السلام

فقد بعث الله نبيه هودا ، عليه السلام، إلى قومه عاد ، وكانت دعوته لقومه أن يوحدوا الله:

( ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) ) (الأعراف:65).

وانطلاقا من دعوة التوحيد هذه بدأ نبي الله هود ، عليه السلام، يعالج أمراض مجتمعه، فقد كان مجتمع عاد مجتمعا ماديا، فتنته زهرة الحياة الدنيا، وتملكه الغرور من ضخامة الأبنية التي يشيدها، والمصانع التي يقيمها، وخيرات الأرض التي يتنعم بها، وكشأن المجتمعات المادية الأخرى أصبح العبث في الحياة، والغرور بالدنيا، والإفراط في استخدام القوة ضد الآخرين، من أبرز سمات قوم عاد.

ولم يكن بوسع نبي الله هود أن يسكت عن مظاهر الانحراف تلك؛ لأنها تتنافى مع جوهر التوحيد وحقيقة العبودية والتسليم لله رب العالمين، فبدأ، عليه السلام، يتصدى لتلك الانحرافات والمفاسد، والقرآن يقص علينا خبر ذلك في مثل قوله سبحانه: ( ( كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) ) [ ص: 41 ] ( ( وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) ) (الشعراء:123-135).

يقول الإمام الرازي [18] ، رحمه الله، في تفسيره لهذه الآيات: «ذكر تعالى الأمور التي تكلم فيها هود معهم، وهي ثلاثة:

فأولها: قوله: ( ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) ) والريع: هو المكان المرتفع... فكانوا يبنون في الأماكن المرتفعة؛ ليعرف بذلك غناهم تفاخرا، فنهوا عنه، ونسبوا إلى العبث.

وثانيها: قوله: ( ( وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) ) المصانع: مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة، والحصون؛ ( ( لعلكم تخلدون ) ) : ترجون الخلد في الدنيا، أو يشبه حالكم حال من يخلد.

وثالثها: قوله: ( ( وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) ) بين أنهم مع ذلك السرف والحرص، فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين... وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب العلو، واتخاذ [ ص: 42 ] المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على التفرد بالعلو، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو، وبقاء العلو، والتفرد بالعلو، وهذه صفات الألهية، وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه، وخرجوا عن حد العبودية، وحاموا حول ادعاء الربوبية.

ثم لما ذكر هود ، عليه السلام، هذه الأشياء قال:

( ( فاتقوا الله وأطيعون ) )

زيادة في دعائهم إلى الآخرة، وزجرا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول وهو التنبيه على نعم الله عليهم بالإجمال أولا، ثم التفصيل ثانيا، فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها،

حيث قال: ( ( أمدكم بما تعلمون ) ) ، ثم فصلها من بعد بقوله: ( ( أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) ) فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان النهاية» [19] .

النموذج الثاني: دعوة نبي الله صالح عليه السلام

وأما نبي الله صالح عليه السلام فقد بعثه الله إلى قومه ثمود ، فقام يدعوهم إلى عقيدة التوحيد:

( ( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ) (الأعراف:73). [ ص: 43 ]

وقد كانت لمجتمع ثمود أمراضه التي تتشابه كثيرا مع أمراض مجتمع عاد، فقام نبي الله صالح ، عليه السلام، في وجه تلك الأمراض والانحرافات الاجتماعية، والتي غلب عليها طابع الطغيان المادي، وعن ذلك نقرأ في القرآن قول نبي الله صالح مخاطبا قومه:

( ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ) (الأعراف:74).

بقول سيد قطب [20] ، رحمه الله، عن هذه الآيات: «لا يذكر السياق هنا أين كان موطن ثمود، ولكنه يذكر في سورة أخرى أنهم كانوا في الحجر [21] وهي بين الحجاز والشام.. ونلمح من تذكير صالح لهم، أثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي كانوا يعيشون فيه، فهو [ ص: 44 ] سهل وجبل، وقد كانوا يتخذون في السهل القصور، وينحتون في الجبال البيوت، فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم في هذا النص القصير.. وصالح يذكرهم استخلاف الله لهم من بعد عاد، وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها، ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية لحضارة عاد ، وأن سلطانهم امتد خارج الحجر أيضا، وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض، محكمين فيها، وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد، اغترارا بالقوة والتمكين، وأمامهم العبرة ماثلة في عاد الغابرين» [22] .

وإذن، فقد ورث المجتمع الثمودي الخلافة والتمكين في الأرض من بعد مجتمع عاد، ويبدو أنه قد ورث أيضا أمراض قوم عاد وعللهم الاجتماعية، ولذلك رأينا تشابه المجتمعين في أدوائهما، وهو ما عكس نفسه على دعوة نبي الله هود وصالح عليهما السلام؛ إذ جاء خطابهما يعالج آفة الطغيان المادي، والاغترار بالقوة، والافتتان بزهرة الحياة الدنيا.

النموذج الثالث: دعوة نبي الله شعيب، عليه السلام

وأما نبي الله شعيب ، عليه السلام، فقد كان فساد قومه في التلاعب بالموازيين والمكاييل، وهو فساد في الاقتصاد يمس حياة الناس ومعاشهم وأقواتهم، وما كان لداعية التوحيد شعيب عليه السلام أن يتجاهل مثل ذلك الفساد أو يغض الطرف عنه، فلقد كان يدعو قومه إلى عقيدة التوحيد: [ ص: 45 ] ( ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ) (الأعراف:85).

ومن وحـي هذه العقيدة كان يتصدى لانحرافات قومه وفسادهم، كما حكى الله عنه في قوله: ( ( إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ) (الشعراء:177-183).

وقال سبحانه: ( ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) ) (هود:84-88). [ ص: 46 ]

فهذه الآيات تدل على أن «دعوة شعيب ، عليه السلام، اشتملت على جانبين: إصلاح العقيدة، وإصلاح الحياة الاجتماعية، ففي الجانب الأول: دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي الجانب الثاني: أمرهم بإيفاء الكيل والميزان، وترك البخس والنقص والتطفيف، فإنهم كانوا مع كفرهم أهل بخس ونقص في حقوق الناس... ولقد اكتفى شعيب بمرة واحدة بالدعوة إلى توحيد الإله، ولكنه كرر وأكد النهي عن بخس الحقوق بألوان مختلفة، فأمر بـ (الإيفاء) بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا، ووصف الإيفاء بالقسط أي بالعدل والحـق، لكي يصـل كل ذي حـق إلى حقه، وأراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، ثم عمم بعد التخصيص فنهى عن بخس الناس أشياءهم، أي لا تنقصوهم مما استحقوا شيئا، وجعل رقابة الله في السر والعلن على كل تاجر هي الأساس والباعث على الخشية والطاعة وأداء الحقوق ( ( وما أنا عليكم بحفيظ ) ) أي عند كيلكم ووزنكم» [23] .

النموذج الرابع: دعوة نبي الله لوط، عليه السلام

وفي مجتمع آخر، وعند قوم آخرين نرى نبي الله لوطا ، عليه السلام، يواجه فسادا وتحللا أخلاقيا مريعا.

وهو فساد لم يسبق للبشرية أن عملته من قبل..!

إنه ما يسمى في أيامنا هذه بـ (الجنسية المثلية)! [ ص: 47 ]

والقرآن يسمي ذلك الفساد والانحلال: (فاحشة)، وقد كانت لنبي الله لوط ، عليه السلام، في مواجهة ذلك الفساد صولات وجولات مع قومه، والقرآن يعرض لنا صورا من تلك المواجهات:

- ( ( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ) ) (الأعراف:80-88).

- ( ( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون ) ) (النمل:54-55).

- ( ( ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرني على القوم المفسدين ) ) (العنكبوت:28-30).

- ( ( كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ) ) (الشعراء:160-166). [ ص: 48 ]

النموذج الخامس: دعوة نبي الله موسى، عليه السلام

وأما نبي الله موسى ، عليه السلام، فقد واجه فسادا من نوع آخر.. إنه فساد الاستبداد السياسي ، والظلم الاجتماعي ، والاستعلاء العنصري .

ففرعون ، حاكم مصر، كان قد بلغ به الطغيان السياسي أن ادعى مقام الألوهية

فقال: ( ( ما علمت لكم من إله غيري ) ) (القصص:38).

وادعى مقام الربوبية: ( ( فقال أنا ربكم الأعلى ) ) (النازعات: 24).

ومارس أبشع أنواع الظلم الاجتماعي، والاستغلال الطبقي ، والاستعلاء العنصري ضد بني إسرائيل:

( ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) ) (القصص: 4).

وأمام هذا الطغيان والاستبداد والفساد وقف نبي الله موسى وهارون ، عليهما السلام، بأمر الله لهما، ليدافعا عن المستضعفين والمظلومين:

( ( فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى ) ) (طه:47).

فالله الذي أرسل موسى وهارون بدعوة التوحيد هو الذي أمرهما أن يخاطبا فرعون أن يكف عن ظلمه واستعباده لبني إسرائيل؛ لأن دعوة التوحيد في حقيقتها هي تحرير للإنسان من عبودية الإنسان، ومن عبودية المادة والشهوات، ومن عبودية الظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي، والقهر السلطوي ، بكافة صوره وأشكاله. [ ص: 49 ]

وهكذا نرى القرآن وهو يستعرض منهج الأنبياء في الدعوة يرينا أن دعوات الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، إنما جاءت لإصلاح المجتمعات الإنسانية، ومعالجة أمراضها، وتقويم اعوجاجها؛ والأساس الذي بنى عليه الأنبياء مساعيهم الإصلاحية هو العقيدة، على اعتبار أن كل فساد وانحراف في السلوك، فإن مرده إلى فساد المعتقد، وكل انحراف يقع فيه المجتمع إنما هو نتيجة للبعد عن الله، وللتمرد على أوامر الله، ومن هنا تصبح قضية محاربة المفاسد الاجتماعية ذات بعد عقدي وإيماني.

والمتأمل في القرآن الكريم يجد أنه يربط بين المفاسد الاجتماعية وفساد المعتقد، ولقد شاع عند بعضهم أن القرآن في مرحلته المكية إنما كان يعالج التوحيد والإيمان وقضايا المعتقد، وأما الجوانب التشريعية والاجتماعية فقد تناولها القرآن في المرحلة المدنية، وهذا القول إن قبلناه من باب التقريب، فإننا نرفضه من باب التحقيق؛ ذلك أن العقيدة في مفهوم القرآن ليست قضايا فكرية يختزلها العقل، ولا معان روحية ينطوي عليها الضمير، ولكنها عقيدة حية، فاعلة، مؤثرة، موصولة بحياة الناس وقضاياهم، والقرآن وهو يتنـزل لغرس العقيدة في النفوس، وترسيخ معانيها في العقول، وتجذير حقائقها في القلوب، لم يغفل أبدا الواقع الاجتماعي الذي تنزل فيه، سواء أكان في مكة أم في المدينة ، بل تعرض للعديد من مظاهر الفساد والإفساد الاجتماعي ونقدها، وربطها بفساد المعتقد، كما تعرض أيضا للعديد من جوانب الصلاح والإصلاح الاجتماعي وربطها بصلاح المعتقد، فالمسألة الاجتماعية حاضرة في القرآن كله، مكيه ومدنيه على السواء.. نعم قد تكون أكثر حضورا وتفصيلا في القرآن المدني، ولكن ذلك لا ينفي حضورها أيضا في [ ص: 50 ] القرآن المكي، وللتدليل على هذه الحقيقة نسوق هذه الآيات التي تنـزلت في العهد المكي، وندعو إلى حسن التأمل فيها:

- ( ( فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) ) (هود:116-117).

- ( ( فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) ) (الروم:38-39) [24] .

- ( ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ) ) (يس:46-47).

- ( ( إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) ) (الذاريات:15-19). [ ص: 51 ]

- ( ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) ) (القلم:17-33).

- ( ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون ) ) (الحاقة:25-37).

- ( ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) ) (المعارج:19-25). [ ص: 52 ]

- ( ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ) (المدثر: 38-48).

- ( ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ) (المطففين:1-6).

- ( ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ) ) (الفجر:15-20).

- ( ( فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة ) ) (البلد:11-18).

- ( ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم نارا [ ص: 53 ] تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) ) (الليل:5-21).

- ( ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) ) (الضحى:9-11).

- ( ( ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة ) ) (الهمزة:1-6).

- ( ( أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ) ) (الماعون:1-3).

فهذه الآيات كلها مكية، وهي تتحدث عن أهمية إصلاح المجتمع، وعن خطورة الترف وأثره في هلاك المجتمعات، وتحث على التكافل الاجتماعي ، ومد يد العون إلى الفئات الضعيفة والفقيرة والمحتاجة في المجتمع، وتأمر بحسن معاملتها، وتحذر من الآفات الاجتماعية، والرذائل الخلقية، والمفاسد الاقتصادية، وتربط ذلك كله بالعقيدة والإيمان، والثواب والعقاب الأخروي.. فقضية إصلاح المجتمع حاضرة في القرآن كله، ومرتبطة بالعقيدة والإيمان بأوثق رباط، وأمتن صلة. [ ص: 54 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث