الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ولما كان ( في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة : صار في الناس من يتعلل [ ص: 166 ] لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال عن المنافقين : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا } الآية . وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في { الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم - وأظنه قال : هل لك في نساء بني الأصفر ؟ - فقال يا رسول الله : إني رجل لا أصبر عن النساء ; وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر . فائذن لي ولا تفتني } . وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة ; واستتر بجمل أحمر ; وجاء فيه الحديث : { أن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر فأنزل الله تعالى فيه : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا } } .

يقول : إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم ; فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك . وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء . فهذا وجه قوله : { ولا تفتني } قال الله تعالى : { ألا في الفتنة سقطوا } يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد : فتنة عظيمة قد سقط فيها [ ص: 167 ] فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته ؟ والله يقول : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } . فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة : فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد .

فتدبر هذا ; فإن هذا مقام خطر ; فإن الناس هنا ثلاثة أقسام : قسم يأمرون وينهون ويقاتلون ; طلبا لإزالة الفتنة التي زعموا ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة ; كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة .

وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا ; لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة وهذه الفتنة المذكورة في " سورة براءة " دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة ; فإنها سبب نزول الآية . وهذه حال كثير من المتدينين ; يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا ; لئلا يفتنوا بجنس الشهوات ; وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور . وهما متلازمان ; وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا : مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو [ ص: 168 ] المال وشهوات الغي ; فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات .

فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين . فإن كان المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة ; وإن كان ترك المحظور أعظم أجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك ; فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات ; فهذا هذا . وتفصيل ذلك يطول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث