الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فالفقه لغة الفهم وتقول منه فقه الرجل بالكسر وفلان لا يفقه وأفقهتك الشيء ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه وفقه بالضم فقاهة وفقهه الله وتفقه إذا تعاطى ذلك وفاقهته إذا باحثته في العلم كذا في الصحاح وحاصله أن الفقه اللغوي مكسور القاف في الماضي والاصطلاحي مضمومهما فيه كما صرح به الكرماني وفي ضياء الحلوم الفقه العلم بالشيء ثم خص بعلم الشريعة وفقه بالكسر معنى الشيء فقها وفقها وفقهانا إذا علمه وفقه بالضم فقاهة إذا صار فقيها ا هـ .

وفي المغرب فقه المعنى فهمه وأفهمه غيره ا هـ .

واصطلاحا على ما ذكره النسفي في شرح المنار تبعا للأصوليين العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسبة من أدلتها التفصيلية بالاستدلال أطلقوا العلم على الفقه مع كونه ظنيا ; لأن أدلته ظنية ; لأنه لما كان ظن [ ص: 4 ] المجتهد الذي يجب عليه وعلى مقلديه العمل بمقتضاه كان لقوته بهذا الاعتبار قريبا من العلم فعبر به عنه تجوزا وتعقب بأن فيه ارتكاب مجاز دون قرينة فالأولى ما في التحرير من ذكر التصديق الشامل للعلم والظن بدل العلم ، والأحكام جمع محلى باللام فإما أن يحمل على الاستغراق أو على الجنس المتناول للكل والبعض الذي أقله ثلاثة منها لا بعينه ذكره السيد في حاشية العضد وفيه أن المراد بالأحكام المجموع ومعنى العلم بها التهيؤ لذلك ورده في التوضيح بأن التهيؤ البعيد حاصل لغير الفقه والقريب غير مضبوط إذ لا يعرف أي قدر من الاستعداد يقال له التهيؤ القريب .

وأجاب عنه في التلويح بأنه مضبوط ; لأنه ملكة يقتدر بها على إدراك جزئيات الأحكام وإطلاق العلم عليها شائع وفي التحرير والمراد بالملكة أدنى ما تتحقق به الأهلية ، وهو مضبوط ا هـ .

واختلف في المراد من الحكم هنا فاختار السيد في حاشيته أنه التصديق ورده في التلويح بأنه علم ; لأنه إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فيقتضي أن الفقه علم بالعلوم الشرعية وليس كذلك بل المراد به النسبة التامة بين الأمرين التي العلم بها تصديق وبغيرها تصور ا هـ .

ويمكن الجواب بأن مراده من التصديق القضية صرح المولى سعد في حاشية العضد بأنه كما يطلق على الإدراك يطلق على القضية والمحققون على أنه لا يراد بالحكم هنا خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا ; لأنه يكون ذكر الشرعية والعملية تكرارا وخرج بقيد الأحكام العلم بالذوات والصفات والأفعال وخرج بقيد الشرعية الأحكام المأخوذة من العقل كالعلم بأن العالم حادث أو من الحس كالعلم بأن النار محرقة أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع كذا في التلويح وظاهره أن الحكم في مثل قولنا النار محرقة ليس عقليا ويمكن أن يجعل من العقلي بناء على أن الإدراك في الحواس إنما هو للعقل بواسطة الحواس وخرج بقيد العملية الأحكام الشرعية الاعتقادية ككون الإجماع حجة والإيمان واجبا ; ولذا لم يكن العلم بوجوب الصلاة [ ص: 5 ] والصوم ونحو ذلك مما اشتهر كونه من الدين بالضرورة فقها اصطلاحا وأورد عليه أنه إن أريد بالعمل عمل الجوارح فالتعريف غير جامع إذ يخرج عنه العلم بوجوب النية وتحريم الرياء والحسد ونحو ذلك ، وإن أريد به ما يعم عمل القلب وعمل الجوارح فالتعريف غير مانع إذ يدخل فيه جميع الاعتقاديات التي هي أصول الدين .

وأجيب عنه باختيار الشق الثاني ، ولا تدخل الاعتقادات إذ المراد بالعلمية المتعلقة بكيفية عمل فالتعلق في النية ونحوها بكيفية عمل قلبي والتعلق في الاعتقادات بحصول العلم وتحقيق الفرق بين فعل القلب كقصده إلى الشيء أو تمنيه حصول الشيء وزواله وبين التصديق القائم بالقلب الذي هو تجل وانكشاف يحصل عقب قيام الدليل لا فعل للنفس هو أن القصد نوع من الإرادة والتصديق نوع من العلم والوجدان كاف في الفرق نعم يعتبر في الإيمان مع التصديق الذي هو التجلي والانكشاف إذعان واستسلام بالقلب لقبول الأوامر والنواهي فتسمية التصديق الذي هو الاعتقاد فعلا بهذا الاعتبار وقد عدل بعضهم عن ذكر العملية إلى الفرعية ، فلم يتوجه الإيراد أصلا ، وقوله من أدلتها متعلق بالعلم أي العلم الحاصل من الأدلة وبه خرج علم المقلد وليس متعلقا بالأحكام إذ لو تعلق بها لم يخرج علم المقلد ; لأنه علم بالأحكام الحاصلة من أدلتها التفصيلية وإن لم يكن علم المقلد حاصلا عن الأدلة ، ومعنى حصول العلم من الدليل أنه ينظر في الدليل فيعلم منه الحكم ، فعلم المقلد ، وإن كان مستندا إلى قول المجتهد المستند إلى علمه المستند إلى دليل الحكم لكنه لم يحصل من النظر في الدليل كذا في التلويح ، وبه اندفع ما ذكرهالكمال بن أبي شريف من أن قوله من أدلتها للبيان لا للاحتراز إذ لا اكتساب إلا من دليل ا هـ .

واختلف في قيد التفصيلية ، فذكر [ ص: 6 ] جماعة منهم المحقق في التلويح أنه للاحتراز عن علم الخلافي ; لأن العلم بوجوب الشيء لوجود المقتضي أو بعدم وجوبه لوجود النافي ليس من الفقه وغلطهم المحقق في التحرير بقوله وقولهم التفصيلية تصريح بلازم وإخراج الخلافي به غلط ووضحه الكمال بأن قولهم إنما يصح إذا قلنا إن الخلافي يستفيد علما بثبوت الوجوب أو انتفائه من مجرد تسليمه من الفقه وجود المقتضي أو النافي إجمالا وأنه يمكنه بمجرد ذلك حفظه عن إبطال الخصم والحق أنه لا يستفيد علما ولا يمكنه الحفظ المذكور حتى يتعين المقتضي أو النافي فيكون هو الدليل المستفاد منه ذلك ، فإن كان أهلا للاستفادة منه كان فقيها فالصواب أنه ليس إخراجا لعلم الخلافي فهو تصريح بلازم ا هـ .

واختلف أيضا في قيد الاستدلال فذهب ابن الحاجب إلى أنه للاحتراز عن العلم الحاصل بالضرورة كعلم جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يسمى فقها اصطلاحا وحقق في التلويح بأنه لا حاجة إليه ، فإن حصول العلم عن الدليل مشعر بالاستدلال إذ لا معنى لذلك إلا أن يكون العلم مأخوذا من الدليل فخرج ما كان بالضرورة بقوله من أدلتها فهو للتصريح بما علم التزاما أو لدفع الوهم أو للبيان دون الاحتراز ومثله شائع في التعريفات ا هـ .

ولم يذكر علم الله تعالى ; لأنه لا يوصف بضرورة ولا استدلال فلو قال إنه للاحتراز عن العلم الذي لم يحصل بالاستدلال لكان مخرجا لعلم الله تعالى أيضا واختلف في علم النبي عليه الصلاة والسلام الحاصل عن اجتهاد هل يسمى فقها والظاهر أنه باعتبار أنه دليل شرعي للحكم لا يسمى فقها وباعتبار حصوله عن دليل شرعي يصح أن يسمى فقها اصطلاحا وبما قررناه ظهر أن الأولى الاقتصار على قولنا الفقه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها ويصح تعريفه بنفس الأحكام المذكورة لما ذكره السيد في حواشيه أن أسماء العلوم كالأصول والفقه والنحو يطلق كل منها تارة بإزاء معلومات مخصوصة كقولنا زيد يعلم النحو أي يعلم تلك المعلومات المعينة وتارة بإزاء إدراك تلك المعلومات وهكذا في التحرير وعرفه في التقويم بأنه اسم لضرب علم أصيب باستنباط المعنى وضد الفقيه صاحب الظاهر ، وهو الذي يعمل بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة ا هـ .

وظاهره أن ما كان من الأحكام له دليل صريح ليس من الفقه ; لأنه لم يصب بالاستنباط ، وهو بعيد ; ولذا أطلقوا في قولهم من أدلتها ليشمل القياس وغيره من الدلائل الأربعة وعرفه الإمام الأعظم بأنه معرفة النفس ما لها وما عليها لكنه يتناول الاعتقاديات كوجوب الإيمان والوجدانيات أي الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية والعمليات كالصلاة والصوم والبيع فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات علم الكلام ومعرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوف كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك ، ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح ، فإن أردت بالفقه هذا المصطلح زدت عملا على قوله ما لها وما عليها ، وإن أردت علم ما يشتمل على الأقسام الثلاثة لم تزد وأبو حنيفة رضي الله عنه إنما لم يزد ; لأنه أراد الشمول أي أطلق العلم على العلم بما لها وما عليها سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات ومن ثم سمى الكلام فقها أكبر كذا في التوضيح وذكر العلامة خسرو أن الملكات النفسانية ليست من الفقه باعتبار ذاتها ، وأما باعتبار آثارها التابعة لها من أفعال الجوارح فهي من الفقه ا هـ .

هذا كله معنى الفقه عند الأصوليين وأما معناه الحقيقي له عند أهل الحقيقة فما ذكره الحسن البصري كما نقله أصحاب الفتاوى في باب الطلاق ومنهم الولوالجي بقوله هل رأيت فقيها قط إنما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة البصير بعيوب نفسه وأما [ ص: 7 ] معناه عند الفقهاء فذكر صاحب الروض أنه لو وقف على الفقهاء فهو من حصل في علم الفقه شيئا وإن قل ; أو المتفقهة المشتغل به ا هـ .

وفي الحاوي القدسي اعلم أن معنى الفقه في اللغة الوقوف والاطلاع وفي الشريعة الوقوف الخاص ، وهو الوقوف على معاني النصوص وإشاراتها ودلالاتها ومضمراتها ومقتضياتها والفقيه اسم للواقف عليها ويسمى حافظ مسائل الفقه الثابتة بها فقيها مجازا لحفظ ما ثبت بالفقه ا هـ .

ثم قال ثم العلم أول ما يحصل للقلب لا يخلو عن نوع اضطراب لحكم الابتداء فإذا دامت الرؤية زال الاضطراب فصار معرفة لزيادة الصحبة ثم تتنوع هذه المعرفة نوعين الظاهر دون المعنى الباطن والباطن الذي هو الحكمة وبها يلتذ القلب إذا صار معقولا له فجرى منه مجرى الطبيعة فهذا هو الفقه ; ولهذا قال أبو يوسف مرضت مرضا شديدا حتى نسيت كل شيء سوى الفقه ، فإنه صار لي كالطبع ا هـ .

وقال في موضع آخر الفقه قوة تصحيح المنقول وترجيح المعقول فالحاصل أن الفقه في الأصول علم الأحكام من دلائلها كما تقدم فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم وإطلاقه على المقلد الحافظ للمسائل مجاز ، وهو حقيقة في عرف الفقهاء بدليل انصراف الوقف والوصية للفقهاء إليهم وأقله ثلاثة أحكام كما في المنتقى وذكر في التحرير أن الشائع إطلاقه على من يحفظ الفروع مطلقا يعني سواء كانت بدلائلها أو لا وأما موضوعه ففعل المكلف من حيث إنه مكلف لأنه يبحث فيه عما يعرض لفعله من حل وحرمة ووجوب وندب والمراد بالمكلف البالغ العاقل ففعل غير المكلف ليس من موضوعه وضمان المتلفات ونفقة الزوجات إنما المخاطب بها الولي لا الصبي والمجنون كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله ، وأما صحة عبادة الصبي كصلاته وصومه المثاب عليها فهي عقلية من باب ربط الأحكام بالأسباب ; ولذا لم يكن مخاطبا بها بل ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله تعالى وقيدنا بحيثية التكليف ; لأن فعل المكلف لا من حيث التكليف ليس موضوعه كفعله من حيث إنه مخلوق الله تعالى ولا يرد عليه الفعل المباح أو المندوب لعدم التكليف فيهما لأن اعتبار حيثية التكليف أعم من أن تكون بحسب الثبوت كما في الوجوب والتحريم أو بحسب السلب كما في بقية الأحكام ، فإن تجويز الفعل والترك يرفع الكلفة عن العبد وفي الحاوي القدسي وأفعال العباد توصف بالحل والحرمة والحسن والقبح فيقال فعل حلال أو حرام أو حسن أو قبيح ، وأما وصف حكم الله بها كقول القائل الحلال والحرام والحسن والقبيح حكم الله تعالى فهو بطريق المجاز توسعا في العبارة وإطلاقا لاسم المفعول على الفعل وهذا ; لأن الله تعالى له فعل واحد لكنه اختلف تسمياته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول ، فإن كان وصف المفعول كونه حادثا سمي إحداثا ، وإن كان حيا سمي إحياء ، وإن كان ميتا سمي إماتة ، وإن كان واجبا سمي إيجابا ، وإن كان حلالا سمي تحليلا وإن كان حراما سمي تحريما ونحوها وهذا بناء على مسألة التكوين والمكون إنهما غيران عندنا ا هـ .

و أما استمداده فمن الأصول الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمستنبط من هذه الثلاثة وأما شريعة من قبلنا فتابعة للكتاب ، وأما أقوال الصحابة فتابعة للسنة ، وأما تعامل الناس فتابع للإجماع وأما التحري واستصحاب الحال فتابعان للقياس ، وأما غايته فالفوز بسعادة الدارين

والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب

التالي السابق


( قوله : فالفقه لغة الفهم ) أقول : وفي تحرير الدلالات السمعية لعلي بن محمد بن أحمد بن مسعود نقلا عن التنقيح الفقه لغة هو الفهم والعلم وفي الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العلمية بالاستدلال ويقال فقه بكسر القاف إذا فهم وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفهم وبضمها إذا صار الفقه له سجية . ا هـ . رملي .

( قوله : واصطلاحا إلخ ) الاصطلاح لغة الاتفاق واصطلاحا اتفاق طائفة مخصوصة على إخراج الشيء عن معناه إلى معنى آخر رملي ( قوله : العلم بالأحكام الشرعية العملية ) قال الرملي في بعض النسخ بعد العملية المكتسبة والظاهر أنها من زيادة بعض الكتبة يظهر ذلك من قوله الآتي ، وقوله ومن أدلتها متعلق بالعلم إلخ تأمل . ( قوله ; لأن أدلته ظنية ) اعترض عليه بأن الإجماع وما ثبت به قطعيان .

وأجيب بأن التعبير فيها بالظن تغليب أو بأن قطعيتهما بالنسبة إلينا ، وأما بالنسبة إلى من صدر عنه من المجمعين فهو ظني مستند إلى إمارة وفي حواشي جمع الجوامع للعلامة ابن قاسم العبادي قال السيد بعد كلام أورده يلزم مما ذكر أن تكون الأحكام المعلومة من الأدلة القطعية أي القطعية الدلالة والثبوت كما أفصح به بعضهم خارجة عن الفقه فإما أن يختار أن الأدلة اللفظية لا تفيد إلا ظنا كما ذهب إليه بعضهم فكذا ما يتفرع عليها من الإجماع والقياس وإما أن يقال كل ما عليه دليل قطعي من الأحكام فهو مما علم [ ص: 4 ] من الدين ضرورة وقد صرح في المحصول بخروج مثله عنه ا هـ .

وجزم قبل ذلك بخروج ما علم من الأحكام ضرورة من الدين ا هـ .

أي خروجها عن الفقه وعليه كلام الشارح الآتي حيث قال : وخرج بقيد الشرعية الأحكام المأخوذة من العقل إلخ قال ابن قاسم : بعد ما تقدم وبحث فيه بعضهم بأن تلك الأحكام ليست ضرورية بمعنى حصولها بلا دليل ، فإن المجتهدين قد استنبطوها وحصلوها في أصلها عن أدلتها التفصيلية كوجوب الصلاة مثلا ، فإنه مستنبط من قوله تعالى { أقيموا الصلاة } بل تلك الأحكام ضرورية بمعنى أنها اشتهرت حتى عدت من ضروريات الدين فلا يخرج ما علم من تلك الأحكام بقوله عن أدلتها . ا هـ . وسيأتي لهذا تتمة فتبصر .

( قوله : فالأولى ما في التحرير من ذكر التصديق الشامل للعلم والظن ) أي بناء على استعمال المنطقيين إياه مرادا به ما ذكر ; لأنهم قسموا العلم بالمعنى الأعم إلى التصور والتصديق تقسيما حاصرا ، ولكن ليس هذا مراد صاحب التحرير بل مراده به الإدراك القطعي سواء كان ضروريا أو نظريا صوابا أو خطأ فالتصديق كما قال شارحه : ابن أمير حاج جنس لسائر الإدراكات القطعية بناء على اشتهار اختصاص التصديق بالحكم القطعي كما في تفسير الإيمان بالتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى ا هـ .

فهو غير ما اصطلح عليه المناطقة ، ويدل على أن مراده ما ذكرنا أنه صرح بعده بأن الأحكام المظنونة ليست من الفقه إلا على الاصطلاح بأنه كله ظني أو الاصطلاح بأن منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني فهي ثلاثة هذان وما اختاره صاحب التحرير قال شارحه بعد كلام بقي الشأن في أي الاصطلاحات من هذه أحسن أو متعين ويظهر أن ما مشى عليه المصنف متعين بالنسبة إلى أن المراد بالفقيه المجتهد وأن الثالث أحسن إذا كان موضوعا بإزاء المدرك إلى آخر ما قاله وبه ظهر ما في كلام الشارح من عزوه ما ذكر للتحرير كما لا يخفى على نحرير ( قوله : وأجاب عنه في التلويح بأنه إلخ ) أقول : هو كذلك في شرح جمع الجوامع للعلامة جلال الدين المحلي وقد بسط السؤال والجواب محشيه الكمال ابن أبي شريف ( قوله : والمحققون على أنه لا يراد بالحكم هنا خطاب الله تعالى إلخ ) قال الرملي أقول : بل المراد النسبة التامة بين الأمرين التي العلم بها تصديق وبغيرها تصور ; لأن الحكم لا يكون إلا كذلك على هذا كما تقدم ( قوله : وخرج بقيد العملية الأحكام الشرعية الاعتقادية إلخ ) .

اعلم أن الشارح تبع في ذلك الجلال المحلي في شرح جمع الجوامع حيث قال وخرج بقيد العملية العلم بالأحكام الشرعية العلمية أي الاعتقادية كالعلم بأن الله واحد وأنه يرى في الآخرة وزاد الشارح عليه العلم بوجوب الصلاة والصوم ولابن قاسم هنا كلام ينبغي ذكره ملخصا مع بعض زيادات تشير إلى كلام الشارح فنقول : اعلم أن الاعتقاد إدراك والحق في الإدراك أنه انفعال أو كيف لا فعل كما تقرر في محله ، وإذا لم يكن فعلا فلا يكون عملا إلا على سبيل التجوز أو نظرا إلى أنه يعبر عنه بلفظ الفعل ويعد فعلا عرفا فيقال صدق وأدرك وعلم ونحو ذلك إذا تقرر ذلك فالاعتقاد مثل اعتقاد أن الجنة موجودة اليوم وأن الله تعالى [ ص: 5 ] يرى في الآخرة تارة ينظر فيه في نفسه وحينئذ يكون خارجا عن حد الفقه بقوله : العملية بمعنى المتعلقة بكيفية عمل كما فسره به فيما سيأتي تبعا للمحلي ; لأن هذا الاعتقاد ، وإن صدق عليه أنه علم بحكم شرعي وذلك الحكم الشرعي هو ثبوت الوجود للجنة لكن ذلك الحكم ليس متعلقا بكيفية عمل ; لأن الوجود كيفية للجنة والجنة ليست عملا وأيضا المراد بالكيفية الوجوب والحرمة وغيرهما بخلاف الوجود ونحوه وقس الباقي وتسمية هذا الحكم اعتقاديا كما أفاده الشارح لا ينبغي أن يكون لكونه يتعلق بالاعتقاد لظهور أنه ليس الأمر كذلك ، فإن النسبة في قولنا الله تعالى يرى في الآخرة ليس متعلقها اعتقادا بل متعلقها الرؤية التي هي المحمول ، وليست اعتقادا وكذا الإجماع حجة والإيمان واجب بل ينبغي أن يكون لكونه أمرا الغرض اعتقاده فمعنى كونه اعتقاديا أنه أمر يعتقد ، وأما العلم بوجوب الصلاة والصوم ونحو ذلك فعلى ما قررنا يكون داخلا في حد الفقه ، ولا يكون خارجا بالاعتقادية ; لأن الحكم متعلق بكيفية عمل وتارة ينظر فيه باعتبار تعلق العلم بالحكم المتعلق بكيفيته ، فإن اعتقادا أن الجنة موجودة اليوم مثلا له كيفية هي الوجوب والحكم المتعلق بتلك الكيفية هو ثبوت الوجوب لذلك الاعتقاد فالعلم بثبوت وجوب اعتقاد أن الجنة موجودة اليوم علم بحكم شرعي اعتقادي أي متعلق بكيفية اعتقاد ، فإنه علم بثبوت الوجوب لذلك الاعتقاد ، وذلك الثبوت حكم شرعي ; لأنه استفيد من الشرع وذلك الوجوب كيفية لاعتقاد ، وهو اعتقاد أن الجنة موجودة اليوم ، فإن أريد بالعمل في قولهم العملية ما يشمل الاعتقاد ولو بمسامحة كما هو مقتضي كلام الشارح الآتي دخل في الفقه العلم بوجوب مثل هذه الاعتقادات ; لأنه علم بحكم شرعي عملي أي متعلق بكيفية عمل كما تقرر وخرج عنه نفس هذه الاعتقادات إذ ليست علما بحكم شرعي عملي أي متعلق بكيفية عمل إذ ليست تلك الأحكام التي هي متعلق تلك الاعتقادات متعلقة بكيفية عمل كما تقرر وأما العلم بوجوب الصلاة والصوم فعلى كل يكون داخلا غير خارج كما تقرر ، وإن أريد به ما يكون عملا وفعلا حقيقة خرج عن حد الفقه العلم بوجوب مثل هذه الاعتقادات أيضا إذ ليس الحكم فيها حينئذ عمليا أي متعلقا بكيفية عمل إذ صاحب تلك الكيفية ، وهو الاعتقاد ليس عملا ولا يخرج نحو العلم بوجوب الصلاة والصوم كما قال الشارح لظهور أن صاحب تلك الكيفية التي هي الوجوب ، وهو الصوم والصلاة فعل وعمل لكن ينافي هذا الوجه ما بعده على أنه يرد عليه حينئذ نحو تحريم ظن السوء بالغير بلا مسوغ شرعي ، فإن العلم به من الفقه كما هو ظاهر مع أن الظن ليس من العمل على هذا التقدير ا هـ ملخصا مع بعض زيادات مناسبة للمقام فليمعن النظر ذوو الأفهام .

والذي تحصل من هذا عدم خروج العلم بوجوب الصلاة والصوم عن حد الفقه بما ذكره على الاحتمالات السابقة كلها ، وأما غيره من بقية الضروريات فيحتاج إلى العناية على أنه يلزم إخراج أكثر علم الصحابة رضي الله عنهم بالأحكام الشرعية للأعمال عن حد الفقه ، فإنه ضروري لهم لتلقيهم إياه من النبي صلى الله عليه وسلم حسا ومن المعلوم بعد هذا فكذا ما يفضي إليه ، وهذا يؤيد ما ذهب إليه العلامة النحرير ابن الهمام في كتابه التحرير على ما أشرنا إليه سابقا والله تعالى الموفق [ ص: 6 ] ( قوله للاحتراز عن علم الخلافي ) هو المرء المنسوب إلى علم الخلاف يعني الجدل ، وهو العارف بآداب البحث قال في شرح جمع الجوامع وخرج بقيد التفصيلية العلم بذلك المكتسب للخلافي من المقتضي والنافي المثبت بهما ما يأخذه من الفقيه ليحفظه عن إبطال خصمه فعلمه مثلا بوجوب النية في الوضوء لوجود المقتضى أو بعدم وجوب الوتر لوجود النافي ليس من الفقه ا هـ .

والتمثيل بناء على مذهبه والمقتضي في الوضوء وجود العمل والنافي في الوتر كونها صلاة لا يؤذن لها كذا في بعض حواشيه ، والمراد بالعمل الداخل تحت حديث { إنما الأعمال بالنيات } ( قوله : ووضحه الكمال ) يعني الكمال بن أبي شريف في حاشية جمع الجوامع لابن السبكي ( قوله : كعلم جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم ) ; لأنه لا طريق إلى علمهما بأن ما أوحي إليهما هو كلامه تعالى وبأن المراد منه كذا إلا العلم الضروري بذلك بأن يخلق الله تعالى لهما علما ضروريا به فهو حاصل مع العلم بالأدلة لا مكتسب منها هذا أو قال بعض : محشي جمع الجوامع ولك أن تقول حيث آل الأمر إلى أن المراد بالعلم التهيؤ لزم ثبوت هذا المفهوم بأسره له صلى الله عليه وسلم وكذا جبريل عليه السلام ا هـ .

قال العلامة ابن قاسم العبادي : في حواشيه عليه بعد نقله لذلك وأقول : لا يخفى قوة هذا الإشكال ( قوله : الزاهد في الآخرة ) نقل بعض الفضلاء [ ص: 7 ] بدله عن الغزنوية الراغب في الآخرة ( أقول ) وهكذا رأيته في إحياء العلوم للإمام الغزالي ( قوله : وفي الحاوي القدسي إلخ ) هذا لا يناسب اصطلاح الفقهاء الذي هو في صدده بل هو معناه الأصولي فتدبر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث