الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك

كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين .

هذا مثل آخر لممثل آخر ، وليس مثلا منضما إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفا عليه بالواو ، أو بـ ( أو ) كقوله تعالى أو كصيب من السماء .

والوجه : أن هذا المثل متصل بقوله ( ولهم عذاب أليم ) كما يفصح عنه قوله في آخره فكان عاقبتهما أنهما في النار الآية ، أي مثلهم في تسببهم لأنفسهم [ ص: 109 ] عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معا في النار .

فجملة كمثل الشيطان حال من ضمير ( ولهم عذاب أليم ) أي في الآخرة .

والتعريف في ( الشيطان ) تعريف الجنس وكذلك تعريف ( الإنسان ) . والمراد به الإنسان الكافر .

ولم ترد في الآخرة حادثة معينة من وسوسة الشيطان لإنسان معين في الدنيا ، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول : فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ، وهل يتكلم الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله قال إني بريء منك أنه يقوله للإنسان ، وأما احتمال أن يقوله في نفسه فهو احتمال بعيد . فالحق : أن قول الشيطان هذا هو ما في آية وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل في سورة إبراهيم .

وقد حكى ابن عباس وغيرهما من السلف في هذه الآية قصة راهب بحكاية مختلفة جعلت كأنها المراد من الإنسان في هذه الآية . ذكرها ابن جرير والقرطبي وضعف ابن عطية أسانيدها فلئن كانوا ذكروا القصة فإنما أرادوا أنها تصلح مثالا لما يقع من الشيطان للإنسان كما مال إليه ابن كثير .

فالمعنى : إذ قال للإنسان في الدنيا اكفر فلما كفر ووافى القيامة على الكفر قال الشيطان يوم القيامة : إني بريء منك ، أي قال كل شيطان لقرينه من الإنس إني بريء منك طمعا في أن يكون ذلك منجيه من العذاب .

ففي الآية إيجاز حذف حذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط ( لما ) هي داخلة في الشرط إذ التقدير : فلما كفر واستمر على الكفر وجاء يوم الحشر واعتذر بأن الشيطان أضله قال الشيطان : إني بريء منك إلخ . وهذه المقدرات مأخوذة من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة ق . قال قرينه ربنا ما أطغيته [ ص: 110 ] الآية . وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا .

وقول فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها من تمام المثل . أي كان عاقبة المثل بهما خسرانهما معا . وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين أنهما خائبان فيما دبرا وكادا للمسلمين .

وجملة وذلك جزاء الظالمين تذييل ، والإشارة إلى ما يدل عليه فكان عاقبتهما أنهما في النار من معنى ، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السوأى جزاء جميع الظالمين المعتدين على الله والمسلمين ، فكما كانت عاقبة الكافر وشيطانه عاقبة سوء كذلك لكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل الخير والهدى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث