الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله

جزء التالي صفحة
السابق

قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون

ذلك إشارة إلى المنقوم ، ولا بد من حذف مضاف قبله ، أو قبل "من" تقديره : بشر من أهل ذلك ، أو دين من لعنه الله ، و من لعنه الله في محل الرفع على قولك : هو من لعنه الله ، كقوله تعالى : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار [الحج : 72] أو في محل الجر على البدل من شر ، وقرئ : "مثوبة" . "ومثوبة" ، ومثالهما : مشورة ، ومشورة . فإن قلت : المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلت : وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله [من الوافر] :


تحية بينهم ضرب وجيع



ومنه فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران : 21] . فإن قلت : المعاقبون من الفريقين هم [ ص: 262 ] اليهود ، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت : كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب ، فقيل لهم : من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم وعبد الطاغوت عطف على صلة "من" كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت ، وفي قراءة أبي "وعبدوا الطاغوت" ، على المعنى ، وعن ابن مسعود : "ومن عبدوا" ، وقرئ : "وعابد الطاغوت" عطفا على القردة . "وعابدي" . "وعباد" . "وعبد" . "وعبد" . ومعناه : الغلو في العبودية ، كقولهم : رجل حذر وفطن ، للبليغ في الحذر والفطنة . قال [من الكامل] :


أبني لبينى إن أمكم     أمة وإن أباكم عبد



وعبد بوزن حطم ، وعبيد ، وعبد - بضمتين - جمع عبيد : وعبدة بوزن كفرة ، وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة . أو هو كخدم في جمع خادم ، وعبد وعباد ، وأعبد ، وعبد الطاغوت ، على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى : وعبد الطاغوت فيهم ، أو بينهم ، وعبد الطاغوت بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون الله ، كقولك "أمر" إذا صار أميرا ، وعبد الطاغوت ، بالجر عطفا على من لعنه الله . فإن قلت : كيف [ ص: 263 ] جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟ قلت : فيه وجهان أحدهما : أنه خذلهم حتى عبدوه ، والثاني : أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به ، كقوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف : 19] وقيل : الطاغوت : العجل; لأنه معبود من دون الله ، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان ، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت ، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : أطاعوا الكهنة ، وكل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده ، وقرأ الحسن : "الطواغيت" ، وقيل : وجعل منهم القردة أصحاب السبت ، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى ، وقيل : كلا المسخين من أصحاب السبت ، فشبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير ، وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون : يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رءوسهم أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا : جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله ، وفيه مبالغة ليست في قولك : أولئك شر وأضل ، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز . نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقا ، فأخبره الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا ، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك ، وقوله : "بالكفر" و "به" حالان ، أي : دخلوا كافرين وخرجوا كافرين ، وتقديره : ملتبسين بالكفر ، وكذلك قوله : "وقد دخلوا"; "وهم قد خرجوا" ولذلك دخلت "قد" تقريبا للماضي في الحال ، ولمعنى آخر : وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعا لإظهار الله ما كتموه ، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله : "قالوا آمنا" أي : قالوا ذلك وهذه حالهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث