الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاعتصام بالكتاب والسنة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

197 - وعن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحرم حرمات فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني .

التالي السابق


197 - ( وعن أبي ثعلبة ) : مشهور بكنيته واسمه جرثوم بن ناشر ( الخشني ) : بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية ، بطن من قضاعة ، وهو من أهل بيعة الرضوان كذا في التهذيب ، وأرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قومه فأسلموا ، ونزل بالشام ، ومات بها سنة خمس وسبعين ، ومروياته أربعون حديثا ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( إن الله فرض فرائض ) : بالهمز جمع فريضة بمعنى مفروضة والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، وهي ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب من العبادات . قال في الصحاح : الفرض ما أوجبه الله ، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا ، واصطلاحا : هو ما يمدح فاعله شرعا ويذم تاركه قصدا مطلقا ويرادفه الواجب ، هذا عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة : ما ثبت بدليل قطعي ، والواجب بدليل ظني ، كذا في شرح الأربعين ، والواجب عندنا فرض عملي أيضا يترتب على تركه العقاب ، لكن دون عقاب الفرض ، والمقام يناسب المعنى الأعم ، أي : أوجب أحكامها مقدرة مقطوعة كالإيمان والإسلام وكالصلاة والزكاة وسائر الفرائض العلمية والعملية ، سواء يكون من فروض الكفاية أو العينية ، وسواء أوجبه الله في كتابه أو على لسان رسوله ( فلا تضيعوها ) : بتركها رأسا أو بترك شروطها وأركانها أو بالسمعة والرياء أو بالعجب والغرور . قال بعض المحققين : وعند العارفين هي المعرفة الإلهية التي هي مقصود الخلق كما أشار إليه الحق بقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي : ليعرفون ولا تحصل المعرفة غالبا إلا بالمجاهدة وهي تزكية النفس عن ظلمة أخلاقها وتخليتها عن أوصاف الرذائل وتحليتها بأنوار الفضائل كالتوبة والتقوى والزهد والاستقامة ، وسائر الأخلاق الحميدة ، والارتقاء من حال إلى حال ، والتصاعد من مقام إلى آخر حتى تنجلي شمس صفات الجلال ، وتظهر طوالع أنوار الجمال ، ويستولي سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة ، ويطوى بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود فما بقي الأرض ولا السماء ، ولا الظلمة ولا الضياء ، وتلاشى العبد في كعبة العندية ، ونودي بفناء الفناء من عالم البقاء ، رفعت القبلة وما بقي إلا الله فأينما تولوا فثم وجه الله وهذا حال السلك المجذوب أو المجذوب السالك ، ومعنى الجذبة أنه يناجي المجذوب من أمر الملكوت ما يدهش عقله ويأخذه عن نفسه ( وحرم حرمات ) أي : محرمات من المعاصي ، وفي الأربعين للنووي : وحرم أشياء ، أي : كالميتة والدم ( فلا تنتهكوها ) أي : لا تقربوها فضلا عن أن تتناولوها كما قال تعالى : ولا تقربوا الزنا وقال في الصحاح : انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل ، وقيل : الانتهاك خرق محارم الشرع كذا ذكره [ ص: 279 ] السيد جمال الدين . وقال ميرك : وهو عند الطائفة الصوفية متابعة الشيطان والهوى والإقبال على الدنيا والإعراض عن العقبى ، إذ يجب أن ينقطع المحب عن كل مطلوب ، بل ينقطع عما سوى المحبوب ( وحد حدودا ) أي : بين وعين حدودا في المعاصي من القتل والضرب ( فلا تعتدوها ) أي : لا تتجاوزوا عن الحد لا بالزيادة ولا بالنقصان . قال في النهاية : الحدود هي محارم الله تعالى وعقوباتها التي قرنها بالذنوب ، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام ، فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة ، ومنه قوله تعالى : تلك حدود الله فلا تقربوها ومنها ما لا تتعدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربعة ، ومنه قوله تعالى : تلك حدود الله فلا تعتدوها والتلخيص أن حدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة ، ومنه تعيين الركعات والأوقات وما وجب إخراجه في الزكوات وإثباتها في الحج وحدود العقوبات ، فكأنه تقرير وتأكيد للقسمين المتقدمين . هذا وفي كلام الصوفية أن العبد يتقلب في جميع الأوقات على الحدود ، ولكل عمل حد ، ولكل وقت حد ، ولكل حال ومقام حد ، فمن تخطاها فقد ضل سواء السبيل ( وسكت عن أشياء ) أي : ترك ذكر أشياء أي : حكمها من الوجوب والحرمة والحل ( من غير نسيان ) : بل من رحمة وإحسان . وفي الأربعين : رحمة لكم غير نسيان بنصب ( رحمة ) على العلة ، ونصب ( غير ) على الحالية ، والنسيان : هو ترك الفعل بلا قصد بعد حصول العلم بخلاف السهو ( فلا تبحثوا عنها ) أي : لا تفتشوا عن تلك الأشياء ، دل على أن الأصل في الأشياء الإباحة كقوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا هذا وقال بعض العارفين : اعلم أن الله تعالى تجلى على عامة عباده بأفعاله وآياته المنبثة في أرضه وسمائه ولخواص أصفيائه بصفاته العظمى ، ولأعظم أنبيائه بذاته وحقائق صفاته ، وخصه بذلك دون غيره من عرفائه رحمة لهم غير نسيان ، إذ ما قام عظيم عند عظمته إلا كل وزل ولا استقام كبير دون كبريائه إلا هام وقام كما قال جل جلاله وعم نواله : لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق ، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ، ولا تبلى أجسادهم ، ولذا قال : فلا تبحثوا عنها أي : لا تتفكروا فيها ، فإن الباب إلى وصول معرفة كنه الذات مردود ، والطريق إلى كنه الصفات مسدود ، تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله .

العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن سر ذات الرب إشراك ( روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني ) . وقال النووي في الأخير : حديث حسن ، ورواه الدارقطني وغيره .

[ ص: 280 ]

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث